انتقل إلى المحتوى

البداية والنهاية (ط. السعادة)/قصة عيسى بن مريم عبد الله ورسوله وابن أمته عليه من الله أفضل الصلاة والسلام/بيان شجرة طوبى ما هي

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
ملاحظات: القاهرة: مطبعة السعادة (1351 هـ)، الجزء 2، الصفحات ٧٨–٨٥
 

بيان شجرة طوبى ما هي

قال عيسى يا رب وما طوبى قال (غرس شجرة أنا غرستها بيدي فهي للجنان كلها أصلها من رضوان وماؤها من تسنيم وبردها برد الكافور وطعمها طعم الزنجبيل وريحها ريح المسك من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبدا) قال عيسى يا رب اسقني منها قال (حرام على النبيين أن يشربوا منها حتى يشرب ذلك النبي وحرام على الأمم أن يشربوا منها حتى يشرب منها أمة ذلك النبي) قال يا عيسى ارفعك إليّ قال رب ولم ترفعني قال (أرفعك ثم أهبطك في آخر الزمان لترى من أمة ذلك النبي العجائب ولتعينهم على قتال اللعين الدجال أهبطك في وقت صلاة ثم لا تصلى بهم لأنها مرحومة ولا نبي بعد نبيهم) وقال هشام بن عمار عن الوليد بن مسلم عن عبد الرحمن بن زيد عن أبيه أن عيسى قال يا رب انبئنى عن هذه الأمة المرحومة قال أمة أحمد هم علماء حكماء كأنهم أنبياء يرضون منى بالقليل من العطاء وأرضى منهم باليسير من العمل وأدخلهم الجنة بلا إله إلا الله. يا عيسى هم أكثر سكان الجنة لأنه لم تذل السن قوم قط بلا إله إلا الله كما ذلت ألسنتهم ولم تذل رقاب قوم قط بالسجود كما ذلت به رقابهم) رواه بن عساكر وروى بن عساكر من طريق عبد الله بن بديل العقيلي عن عبد الله بن عوسجة قال أوحى الله إلى عيسى ابن مريم (أنزلنى من نفسك كهمك واجعلني ذخرا لك في معادك وتقرب إلى بالنوافل أحبك ولا تول غيري فأخذلك اصبر على البلاء وارض بالقضاء وكن لمسرتى فيك فان مسرتي أن أطاع فلا أعصى وكن منى قريبا وأحى ذكرى بلسانك ولتكن مودتي في صدرك تيقظ من ساعات الغفلة واحكم في لطيف الفطنة وكن لي راغبا راهبا وأمت قلبك في الخشية لي وراع الليل لحق مسرتي وأظمئ نهارك ليوم الري عندي نافس في الخيرات جهدك واعترف بالخير حيث توجهت وقم في الخلائق بنصيحتى واحكم في عبادي بعدلي فقد أنزلت عليك شفاء وسواس الصدور من مرض النسيان وجلاء الابصار من غشاء الكلال ولا تكن حلسا كأنك مقبوض وأنت حي تنفس * يا عيسى بن مريم ما آمنت بى خليقة إلا خشعت ولا خشعت لي إلا رجت ثوابي فأشهدك أنها امنة من عقابي ما لم تغير أو تبدل سنتي * يا عيسى ابن مريم البكر البتول ابك على نفسك أيام الحياة بكاء من ودع الأهل وقلا الدنيا وترك اللذات لأهلها وارتفعت رغبته فيما عند إلهه وكن في ذلك تلين الكلام وتفشي السلام وكن يقظان إذا نامت عيون الأبرار حذار ما هو آت من أمر المعاد وزلازل شدائد الأهوال قبل أن لا ينفع أهل ولا مال واكحل عينك بملول الحزن إذا ضحك البطالون وكن في ذلك صابرا محتسبا وطوبى لك ان نالك ما وعدت الصابرين.

رح من الدنيا بالله يوم بيوم وذق مذاقعة ما قد حرب منك أين طعمه وما لم يأتك كيف لذته فرح من الدنيا بالبلغة وليكفك منها الخشن الجشب قد رأيت الى ما يصير اعمل على حساب فإنك مسئول لو رأت عيناك ما أعددت لأوليائى الصالحين ذاب قلبك وزهقت نفسك * وقال أبو داود في كتاب القدر حدثنا محمد بن يحيى بن فارس حدثنا عبد الرزاق حدثنا معمر عن الزهري عن ابن طاووس عن أبيه قال لقي عيسى بن مريم إبليس فقال أما علمت أنه لن يصيبك إلا ما كتب لك قال إبليس فارق بذروة هذا الجبل فتردى منه فانظر هل تعيش أم لا فقال ابن طاووس عن أبيه. فقال عيسى أما علمت أن الله قال (لا يجربنى عبدي فانى أفعل ما شئت) وقال الزهري إن العبد لا يبتلى ربه ولكن الله يبتلى عبده. قال أبو داود حدثنا أحمد بن عبدة أنبأنا سفيان عن عمرو عن طاووس قال أتى الشيطان عيسى بن مريم فقال أليس تزعم أنك صادق فأت هوة فألق نفسك قال ويلك أليس قال يا ابن آدم لا تسألنى هلاك نفسك فانى أفعل ما أشاء * وحدثنا أبو توبة الربيع بن نافع حدثنا حسين بن طلحة سمعت خالد بن يزيد قال تعبد الشيطان مع عيسى عشر سنين أو سنتين اقام يوما على شفير جبل فقال الشيطان أرأيت ان ألقيت نفسي هل يصيبني إلا ما كتب لي قال انى لست بالذي ابتلى ربى ولكن ربى إذا شاء ابتلاني وعرفه أنه الشيطان ففارقه. وقال أبو بكر بن أبى الدنيا حدثنا شريح بن يونس حدثنا على بن ثابت عن الخطاب بن القاسم عن أبى عثمان قال كان عيسى عليه السلام يصلى على رأس جبل فأتاه إبليس فقال أنت الّذي تزعم أن كل شيء بقضاء وقدر قال نعم قال ألق نفسك من هذا الجبل وقل قدر على فقال يا لعين الله يختبر العباد وليس العباد يختبرون الله عز وجل. وقال أبو بكر بن أبى الدنيا حدثنا الفضل بن موسى البصري حدثنا إبراهيم بن بشار سمعت سفيان بن عيينة يقول لقي عيسى بن مريم إبليس فقال له إبليس يا عيسى بن مريم الّذي بلغ من عظم ربوبيتك انك تكلمت في المهد صبيا. ولم يتكلم فيه أحد قبلك قال بل الربوبية للاله الّذي انطقنى ثم يميتني ثم يحينى قال فأنت الّذي بلغ من عظم ربوبيتك أنك تحيي الموتى قال بل الربوبية لله الّذي يحى ويميت من أحييت ثم يحييه قال والله إنك لإله في السماء وإله في الأرض قال فصكه جبريل صكة بجناحيه فما نبأها دون قرون الشمس ثم صكه اخرى بجناحيه فما نبأها دون العين الحامية ثم صكه اخرى فادخله بحار السابعة فاساخه وفي رواية فاسلكه فيها حتى وجد طعم الحمأة فخرج منها وهو يقول ما لقي أحد من أحد ما لقيت منك يا ابن مريم * وقد روى نحو هذا بأبسط منه من وجه آخر فقال الحافظ ابو بكر الخطيب أخبرني ابو الحسن بن رزقويه انبأنا ابو بكر احمد بن سبدى حدثنا ابو محمد الحسن بن على القطان حدثنا إسماعيل ابن عيسى العطار انبأنا على بن عاصم حدثني ابو سلمة سويد عن بعض أصحابه قال صلّى عيسى ببيت المقدس فانصرف فلما كان ببعض العقبة عرض له إبليس فاحتبسه فجعل يعرض عليه ويكلمه ويقول له انه لا ينبغي لك ان تكون عبدا فأكثر عليه وجعل عيسى يحرص على ان يتخلص منه فجعل لا يتخلص منه فقال له فيما يقول لا ينبغي لك يا عيسى ان تكون عبدا قال فاستغاث عيسى بربه فاقبل جبريل وميكائيل فلما رآهما إبليس كف فلما استقر معه على العقبة اكتنفا عيسى وضرب جبريل إبليس بجناحه فقذفه في بطن الوادي قال فعاد إبليس معه وعلم أنهما لم يؤمرا بغير ذلك فقال لعيسى قد أخبرتك انه لا ينبغي ان تكون عبدا ان غضبك ليس بغضب عبد وقد رأيت ما لقيت منك حين غضبت ولكن أدعوك لأمر هو لك آمر الشياطين فليطيعوك فلما رأى البشر أن الشياطين أطاعوك عبدوك اما انى لا أقول ان تكون إلها ليس معه إله ولكن الله يكون إلها في السماء وتكون أنت إلها في الأرض فلما سمع عيسى ذلك منه استغاث بربه وصرخ صرخة شديدة فإذا إسرافيل قد هبط فنظر اليه جبريل وميكائيل فكف إبليس فلما استقر معهم ضرب إسرافيل إبليس بجناحه فصك به عين الشمس ثم ضربه ضربة أخرى فاقبل إبليس يهوى ومر عيسى وهو بمكانه فقال يا عيسى لقد لقيت فيك اليوم تعبا شديدا فرمى به في عين الشمس فوجد سبعة أملاك عند العين الحامية قال فغطوه فجعل كلما صرخ غطوه في تلك الحمأة قال والله ما عاد اليه بعد. قال وحدثنا إسماعيل العطار حدثنا أبو حذيفة قال واجتمع اليه شياطينه فقالوا سيدنا قد لقيت تعبا قال إن هذا عبد معصوم ليس لي عليه من سبيل وسأضل به بشرا كثيرا وأبث فيهم أهواء مختلفة واجعلهم شيعا ويجعلونه وأمه إلهين من دون الله قال وأنزل الله فيما أيد به عيسى وعصمه من إبليس قرآنا ناطقا بذكر نعمته على عيسى فقال ﴿يا عِيسَى اِبْنَ مَرْيَمَ اُذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى والِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ يعنى إذ قويتك بروح القدس يعنى جبريل ﴿تُكَلِّمُ النّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ﴾ الآية كلها وإذ جعلت المساكين لك بطانة وصحابة وأعوانا ترضى بهم وصحابة وأعوانا يرضون بك هاديا وقائدا الى الجنة فذلك فاعلم خلقان عظيمان من لقيني بهما فقد لقيني بأزكى الخلائق وأرضاها عندي وسيقول لك بنو إسرائيل صمنا فلم يتقبل صيامنا وصلينا فلم يقبل صلاتنا وتصدقنا فلم يقبل صدقاتنا وبكينا بمثل حنين الجمال فلم يرحم بكاؤنا فقل لهم ولم ذلك وما الّذي يمنعني إن ذات يدي قلت أو ليس خزائن السموات والأرض بيدي أنفق منها كيف أشاء وان البخل لا يعتريني أولست أجود من سأل وأوسع من اعطى أوان رحمتي ضاقت وانما يتراحم المتراحمون بفضل رحمتي ولولا أن هؤلاء القوم يا عيسى بن مريم عدوا أنفسهم بالحكمة التي تورث في قلوبهم ما استأثروا به الدنيا أثره على الآخرة لعرفوا من أين أوتوا وإذا لا يقنوا ان أنفسهم هي أعدى الأعداء لهم وكيف اقبل صيامهم وهم يتقوون عليه بالأطعمة الحرام وكيف أقبل صلاتهم وقلوبهم تركن الى الذين يحاربونى ويستحلون محارمي وكيف أقبل صدقاتهم وهم يغصبون الناس عليها فيأخذونها من غير حلها * يا عيسى انما أجزى عليها أهلها وكيف أرحم بكاءهم وأيديهم تقطر من دماء الأنبياء ازددت عليهم غضبا * يا عيسى وقضيت يوم خلقت السموات والأرض أنه من عبدني وقال فيكما بقولي أن أجعلهم جيرانك في الدار ورفقاءك في المنازل وشركاءك في الكرامة وقضيت يوم خلقت السموات والأرض أنه من اتخذك وأمك إلهين من دون الله أن أجعلهم في الدرك الأسفل من النار وقضيت يوم خلقت السموات والأرض أنى مثبت هذا الأمر على يدي عبدي محمد وأختم به الأنبياء والرسل ومولده بمكة ومهاجره بطيبة وملكه بالشام ليس بفظ ولا غليظ ولا سخاب في الأسواق ولا يزر بالفحش ولا قوال بالخنا أسدده لكل أمر جميل واهب له كل خلق كريم واجعل التقوى ضميره والحكم معقولة والوفاء طبيعته والعدل سيرته والحق شريعته والإسلام ملته اسمه أحمد أهدى به بعد الضلالة وأعلم به بعد الجهالة واغنى به بعد العائلة وارفع به بعد الضيعة أهدى به وافتح به بين آذان صم وقلوب غلف وأهواء مختلفة متفرقة أجعل أمته خير أمة أخرجت للناس يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر إخلاصا لاسمى وتصديقا لما جاءت به الرسل الهمهم التسبيح والتقديس والتهليل في مساجدهم ومجالسهم وبيوتهم ومنقلبهم ومثواهم يصلون لي قياما وقعودا وركعا وسجودا ويقاتلون في سبيلي صفوفا وزحوفا قرباتهم دماؤهم وأناجيلهم في صدورهم وقربانهم في بطونهم رهبان بالليل ليوث في النهار ذلك فضلي أوتيه من أشاء وانا ذو الفضل العظيم.

وسنذكر ما يصدق كثيرا من هذا السياق مما سنورده من سورتي المائدة والصف إن شاء الله وبه الثقة * وقد روى أبو حذيفة إسحاق بن بشر بأسانيده عن كعب الأحبار ووهب بن منبه وابن عباس وسلمان الفارسي دخل حديث بعضهم في بعض قالوا لما بعث عيسى بن مريم وجاءهم بالبينات جعل المنافقون والكافرون من بنى إسرائيل يعجبون منه ويستهزءون به فيقولون ما أكل فلان البارحة وما ادخر في منزله فيخبرهم فيزداد المؤمنون ايمانا والكافرون والمنافقون شكا وكفرانا وكان عيسى مع ذلك ليس له منزل يأوى اليه انما يسيح في الأرض ليس له قرار ولا موضع يعرف به فكان أول ما أحيا من الموتى أنه مر ذات يوم على امرأة قاعدة عند قبر وهي تبكى فقال لها مالك أيتها المرأة فقالت ماتت ابنة لي لم يكن لي ولد غيرها وانى عاهدت ربى أن لا أبرح من موضعي هذا حتى أذوق ما ذاقت من الموت أو يحييها الله لي فانظر اليها فقال لها عيسى أرأيت إن نظرت اليها أراجعة أنت قالت نعم قالوا فصلى ركعتين ثم جاء فجلس عند القبر فنادى يا فلانة قومي باذن الرحمن فاخرجى قال فتحرك القبر ثم نادى الثانية فانصدع القبر باذن الله ثم نادى الثالثة فخرجت وهي تنفض رأسها من التراب فقال لها عيسى ما أبطأ بك عنى فقالت لما جاءتني الصيحة الاولى بعث الله لي ملكا فركب خلقي ثم جاءتني الصيحة الثانية فرجع الى روحي ثم جاءتني الصيحة الثالثة فخفت أنها صيحة القيامة فشاب رأسي وحاجباى واشفار عيني من مخافة القيمة ثم أقبلت على أمها فقالت يا أماه ما حملك على ان أذوق كرب الموت مرتين يا أماه اصبري واحتسبي فلا حاجة لي في الدنيا يا روح الله وكلمته سل ربى أن يردني الى الآخرة وان يهون على كرب الموت فدعا ربه فقبضها اليه واستوت عليها الأرض فبلغ ذلك اليهود فازدادوا عليه غضبا وقدمنا في عقيب قصة نوح أن بنى إسرائيل سألوه أن يحيى لهم سام بن نوح فدعا الله عز وجل وصلّى لله فأحياه الله لهم فحدثهم عن السفينة وأمرها ثم دعا فعاد ترابا. وقد روى السدي عن أبى صالح وأبى مالك عن ابن عباس في خبر ذكره وفيه أن ملكا من ملوك بنى إسرائيل مات وحمل على سريره فجاء عيسى عليه السلام فدعا الله عز وجل فأحياه الله عز وجل فرأى الناس أمرا هائلا ومنظرا عجيبا قال الله تعالى وهو أصدق القائلين ﴿إِذْ قالَ اللهُ يا عِيسَى اِبْنَ مَرْيَمَ اُذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى والِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ﴾ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيها فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هذا إِلاّ سِحْرٌ مُبِينٌ * وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قالُوا آمَنّا وَاِشْهَدْ بِأَنَّنا مُسْلِمُونَ يذكره تعالى بنعمته عليه وإحسانه اليه في خلقه إياه من غير أب بل من أم بلا ذكر وجعله له آية للناس ودلالة على كمال قدرته تعالى ثم إرساله بعد هذا كله ﴿وَعَلى والِدَتِكَ﴾ في اصطفائها واختيارها لهذه النعمة العظيمة واقامة البرهان على براءتها مما نسبها اليه الجاهلون ولهذا قال ﴿إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ وهو جبريل بإلقاء روحه الى أمه وقرنه معه في حال رسالته ومدافعته عنه لمن كفر به ﴿تُكَلِّمُ النّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً﴾ أي تدعو الناس الى الله في حال صغرك في مهدك وفي كهولتك ﴿وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ أي الخط والفهم نص عليه بعض السلف ﴿وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ وقوله ﴿وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي﴾ أي تصوره وتشكله من الطين على هيئته عن أمر الله له بذلك ﴿فَتَنْفُخُ فِيها فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي﴾ أي بأمري يؤكد تعال بذكر الاذن له في ذلك لرفع التوهم وقوله ﴿وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ﴾ قال بعض السلف وهو الّذي يولد أعمى ولا سبيل لأحد من الحكماء الى مداواته ﴿وَالْأَبْرَصَ﴾ هو الّذي لا طب فيه بل قد مرض بالبرص وصار داؤه عضالا ﴿وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتى﴾ أي من قبورهم أحياء بإذني وقد تقدم ما فيه دلالة على وقوع ذلك مرارا متعددة مما فيه كفاية. وقوله ﴿وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هذا إِلاّ سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ وذلك حين أرادوا صلبه فرفعه الله اليه وأنقذه من بين أظهرهم صيانة لجنابة الكريم عن الأذى وسلامة له من الردى وقوله ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قالُوا آمَنّا وَاِشْهَدْ بِأَنَّنا مُسْلِمُونَ﴾ قيل المراد بهذا الوحي وحي الهام أي أرشدهم الله اليه ودلهم عليه كما قال ﴿وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾ ﴿وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ﴾ وقيل المراد وحي بواسطة الرسول وتوفيق في قلوبهم لقبول الحق ولهذا استجابوا قائلين ﴿آمَنّا وَاِشْهَدْ بِأَنَّنا مُسْلِمُونَ﴾ وهذا من جملة نعم الله على عبده ورسوله عيسى بن مريم أن جعل له أنصارا وأعوانا ينصرونه ويدعون معه الى عبادة الله وحده لا شريك له كما قال تعالى لعبده محمد ﴿هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ * وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ما أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلكِنَّ اللهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ وقال تعالى ﴿وَيُعَلِّمُهُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ * وَرَسُولاً إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتى بِإِذْنِ اللهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وَما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي﴾ ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * وَمُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ * إِنَّ اللهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ * فَلَمّا أَحَسَّ عِيسى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قالَ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللهِ قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللهِ آمَنّا بِاللهِ وَاِشْهَدْ بِأَنّا مُسْلِمُونَ * رَبَّنا آمَنّا بِما أَنْزَلْتَ وَاِتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ * وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ.

كانت معجزة كل نبي في زمانه بما يناسب أهل ذلك الزمان فذكروا أن موسى عليه السلام كانت معجزته مما يناسب أهل زمانه وكانوا سحرة أذكياء فبعث بآيات بهرت الابصار وخضعت لها الرقاب ولما كان السحرة خبيرين بفنون السحر وما ينتهى اليه وعاينوا ما عاينوا من الأمر الباهر الهائل الّذي لا يمكن صدوره الا عمن أيده الله وأجرى الخارق على يديه تصديقا له أسلموا سراعا ولم يتلعثموا وهكذا عيسى ابن مريم بعث في زمن الطبائعية الحكماء فأرسل بمعجزات لا يستطيعونها ولا يهتدون اليها وانى لحكيم إبراء الأكمه الّذي هو أسوأ حالا من الأعمى والأبرص والمجذوم ومن به مرض مزمن وكيف يتوصل أحد من الخلق الى ان يقيم الميت من قبره هذا مما يعلم كل أحد معجزة دالة على صدق من قامت به وعلى قدرة من أرسله وهكذا محمد وعليهم أجمعين بعث في زمن الفصحاء البلغاء فانزل الله عليه القرآن العظيم الّذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد فلفظه معجز تحدى به الانس والجن أن يأتوا بمثله أو بعشر سور من مثله أو بسورة وقطع عليهم بأنهم لا يقدرون لا في الحال ولا في الاستقبال فان لم يفعلوا ولن يفعلوا وما ذاك الا لانه كلام الخالق عز وجل والله تعالى لا يشبهه شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله.

والمقصود ان عيسى عليه السلام لما أقام عليهم الحجج والبراهين استمر أكثرهم على كفرهم وضلالهم وعنادهم وطغيانهم فانتدب له من بينهم طائفة صالحة فكانوا له أنصارا وأعوانا قاموا بمتابعته ونصرته ومناصحته وذلك حين هم به بنو إسرائيل ووشوا به الى بعض ملوك ذلك الزمان فعزموا على قتله وصلبه فأنقذه الله منهم ورفعه اليه من بين أظهرهم والقى شبهه على أحد أصحابه فأخذوه فقتلوه وصلبوه وهم يعتقدونه عيسى وهم في ذلك غالطون وللحق مكابرون وسلم لهم كثير من النصارى ما ادعوه وكلا الفريقين في ذلك مخطئون قال تعالى ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ﴾ وقال تعالى ﴿وَإِذْ قالَ عِيسَى اِبْنُ مَرْيَمَ يا بَنِي إِسْرائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اِسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمّا جاءَهُمْ بِالْبَيِّناتِ قالُوا هذا سِحْرٌ مُبِينٌ * وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ اِفْتَرى عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعى إِلَى الْإِسْلامِ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ * يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا نُورَ اللهِ بِأَفْواهِهِمْ وَاللهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ﴾ الى أن قال بعد ذاك ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصارَ اللهِ كَما قالَ عِيسَى اِبْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوارِيِّينَ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللهِ قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللهِ فَآمَنَتْ طائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ وَكَفَرَتْ طائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلى عَدُوِّهِمْ﴾ فَأَصْبَحُوا ظاهِرِينَ فعيسى عليه السلام هو خاتم أنبياء بنى إسرائيل وقد قام فيهم خطيبا فبشرهم بخاتم الأنبياء الآتي بعده ونوه باسمه وذكر لهم صفته ليعرفوه ويتابعوه إذا شاهدوه اقامة للحجة عليهم وإحسانا من الله اليهم كما قال تعالى ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاِتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ قال محمد بن إسحاق حدثني ثور بن يزيد عن خالد بن معدان عن أصحاب رسول الله انهم قالوا يا رسول الله أخبرنا عن نفسك قال دعوة أبى إبراهيم وبشرى عيسى ورأت أمى حين حملت بى كأنه خرج منها نور أضاءت له قصور بصرى من أرض الشام. وقد روى عن العرباض بن سارية وأبى امامة عن النبي نحو هذا وفيه دعوة أبى إبراهيم وبشرى عيسى وذلك ان إبراهيم لما بنى الكعبة قال ﴿رَبَّنا وَاِبْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ﴾ الآية ولما انتهت النبوة في بنى إسرائيل الى عيسى قام فيهم خطيبا فأخبرهم أن النبوة قد انقطعت عنهم وانها بعده في النبي العربيّ الأمي خاتم الأنبياء على الإطلاق احمد وهو محمد ابن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم الّذي هو من سلالة إسماعيل بن إبراهيم الخليل عليهم السلام قال الله تعالى ﴿فَلَمّا جاءَهُمْ بِالْبَيِّناتِ قالُوا هذا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ يحتمل عود الضمير الى عيسى عليه السلام ويحتمل عوده الى محمد ثم حرض تعالى عباده المؤمنين على نصرة الإسلام واهله ونصرة نبيه ومؤازرته ومعاونته على اقامة الدين ونشر الدعوة فقال ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصارَ اللهِ كَما قالَ عِيسَى اِبْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوارِيِّينَ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللهِ﴾ أي من يساعدني في الدعوة الى الله ﴿قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللهِ﴾ وكان ذلك في قرية يقال لها الناصرة فسموا بذلك النصارى قال الله تعالى ﴿فَآمَنَتْ طائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ وَكَفَرَتْ طائِفَةٌ﴾ يعنى لما دعا عيسى بنى إسرائيل وغيرهم الى الله تعالى منهم من آمن ومنهم من كفر وكان ممن آمن به أهل انطاكية بكمالهم فيما ذكره غير واحد من أهل السير والتواريخ والتفسير بعث اليهم رسلا ثلاثة أحدهم شمعون الصفا فآمنوا واستجابوا وليس هؤلاء هم المذكورون في سورة يس لما تقدم تقريره في قصة أصحاب القرية وكفر آخرون من بنى إسرائيل وهم جمهور اليهود فايد الله من آمن به على من كفر فيما بعد وأصبحوا ظاهرين عليهم قاهرين لهم كما قال تعالى ﴿إِذْ قالَ اللهُ يا عِيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجاعِلُ الَّذِينَ اِتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ﴾ الآية فكل من كان اليه أقرب كان عاليا فمن دونه ولما كان قول المسلمين فيه هو الحق الّذي لا شك فيه من أنه عبد الله ورسوله كانوا ظاهرين على النصارى الذين غلوا فيه واطروه وأنزلوه فوق ما أنزله الله به ولما كان النصارى أقرب في الجملة مما ذهب اليه اليهود عليهم لعائن الله كان النصارى قاهرين لليهود في أزمان الفترة الى زمن الإسلام وأهله.