البداية والنهاية (ط. السعادة)/ذكر شيء مما وقع من الحوادث في زمن الفترة/ذكر نذر عبد المطلب ذبح أحد ولده
ذكر نذر عبد المطلب ذبح أحد ولده
قال ابن إسحاق: وكان عبد المطلب فيما يزعمون نذر حين لقي من قريش ما لقي عند حفر زمزم لئن ولد له عشرة نفر ثم بلغوا معه حتى يمنعوه ليذبحن أحدهم لله عند الكعبة. فلما تكامل بنوه عشرة وعرف انهم سيمنعونه وهم. الحارث. والزبير. وحجل. وضرار. والمقوم. وأبو لهب. والعباس.
وحمزة. وأبو طالب. وعبد الله. جمعهم ثم أخبرهم بنذره ودعاهم الى الوفاء لله عز وجل بذلك فأطاعوه وقالوا كيف نصنع؟ قال ليأخذ كل رجل منكم قدحا ثم يكتب فيه اسمه ثم ائتوني ففعلوا ثم أتوه، فدخل بهم على هبل في جوف الكعبة وكانت تلك البئر هي التي يجمع فيها ما يهدى للكعبة، وكان عند هبل قداح سبعة وهي الأزلام التي يتحاكمون اليها إذا أعضل عليهم أمر من عقل أو نسب أوامر من الأمور جاءوه فاستقسموا بها فما أمرتهم به أو نهتهم عنه امتثلوه. والمقصود ان عبد المطلب لما جاء يستقسم بالقداح عند هبل خرج القدح على ابنه عبد الله وكان أصغر ولده وأحبهم اليه، فاخذ عبد المطلب بيد ابنه عبد الله وأخذ الشفرة ثم اقبل به الى إساف ونائلة ليذبحه فقامت اليه قريش من أنديتها فقالوا: ما تريد يا عبد المطلب؟ قال اذبحه فقالت له قريش وبنوه إخوة عبد الله والله لا تذبحه أبدا حتى تعذر فيه لئن فعلت هذا لا يزال الرجل يجيئ بابنه حتى يذبحه فما بقاء الناس على هذا. وذكر يونس بن بكير عن ابن إسحاق ان العباس هو الّذي اجتذب عبد الله من تحت رجل أبيه حين وضعها عليه ليذبحه فيقال انه شج وجهه شجا لم يزل في وجهه الى أن مات ثم أشارت قريش على عبد المطلب أن يذهب الى الحجاز فان بها عرافة لها تابع فيسألها عن ذلك ثم أنت على رأس أمرك ان امرتك بذبحه فاذبحه وان امرتك بأمر لك وله فيه مخرج قبلته فانطلقوا حتى أتوا المدينة فوجدوا العرافة وهي سجاح فيما ذكره يونس بن بكير عن ابن إسحاق بخيبر فركبوا حتى جاءوها فسألوها وقص عليها عبد المطلب خبره وخبر ابنه فقالت لهم ارجعوا عنى اليوم حتى يأتينى تابعي فأسأله فرجعوا من عندها فلما خرجوا قام عبد المطلب يدعو الله ثم غدوا عليها فقالت لهم قد جاءني الخبر، كم الدية فيكم؟ قالوا عشر من الإبل وكانت كذلك قالت فارجعوا الى بلادكم ثم قربوا صاحبكم وقربوا عشرا من الإبل ثم اضربوا عليها وعليه بالقداح فان خرجت على صاحبكم فزيدوا من الإبل حتى يرضى ربكم وان خرجت على الإبل فانحروها عنه فقد رضى ربكم ونجا صاحبكم فخرجوا حتى قدموا مكة فلما أجمعوا على ذلك الأمر قام عبد المطلب يدعو الله ثم قربوا عبد الله وعشرا من الإبل ثم ضربوا فخرج القدح على عبد الله فزادوا عشرا ثم ضربوا فخرج القدح على عبد الله فزادوا عشرا فلم يزالوا يزيدون عشرا عشرا ويخرج القدح على عبد الله حتى بلغت الإبل مائة. ثم ضربوا فخرج القدح على الإبل فقالت عند ذلك قريش لعبد المطلب وهو قائم عند هبل يدعو الله قد انتهى رضى ربك يا عبد المطلب. فعندها زعموا انه قال لا حتى اضرب عليها بالقداح ثلاث مرات فضربوا ثلاثا ويقع القدح فيها على الإبل فنحرت ثم تركت لا يصد عنها إنسان ولا يمنع. قال ابن هشام ويقال ولا سبع.
وقد روى انه لما بلغت الإبل مائة خرج على عبد الله أيضا فزادوا مائة أخرى حتى بلغت مائتين فخرج القدح على عبد الله فزادوا مائة أخرى فصارت الإبل ثلاثمائة. ثم ضربوا فخرج القدح على الإبل فنحرها عند ذلك عبد المطلب والصحيح الأول والله أعلم. وقد روى ابن جرير عن يونس بن عبد الأعلى عن ابن وهب عن يونس بن يزيد عن الزهري عن قبيصة بن ذؤيب أن ابن عباس سألته امرأة أنها نذرت ذبح ولدها عند الكعبة فأمرها بذبح مائة من الإبل وذكر لها هذه القصة عن عبد المطلب.
وسألت عبد الله بن عمر فلم يفتها بشيء بل توقف. فبلغ ذلك مروان بن الحكم وهو أمير على المدينة فقال انهما لم يصيبا الفتيا ثم امر المرأة أن تعمل ما استطاعت من خير ونهاها عن ذبح ولدها ولم يأمرها بذبح الإبل، وأخذ الناس بقول مروان بذلك والله أعلم.