انتقل إلى المحتوى

البداية والنهاية (ط. السعادة)/ثم دخلت سنه ثنتين وثلاثين/عبد الله بن مسعود

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
ملاحظات: القاهرة: مطبعة السعادة (1351 هـ)، الجزء 7، الصفحات ١٦٢–١٦٣
 

عبد الله بن مسعود

ابن غافل بن حبيب بن سمح بن فار بن مخزوم بن صاهلة بن كاهل بن الحارث بن تيم بن سعد بن هذيل بن مدركة بن إلياس بن مضر الهذلي، أبو عبد الرحمن حليف بنى زهرة، أسلم قديما قبل عمر، وكان سبب إسلامه حين مر به رسول الله ، وأبو بكر رضي الله عنه، وهو يرعى غنما فسألاه لبنا فقال: إني مؤتمن، قال فأخذ رسول الله عناقا لم ينز عليها الفحل فاعتقلها ثم حلب وشرب وسقى أبا بكر، ثم قال للضرع «أقلص» فقلص، فقلت علمني من هذا الدعاء فقال: إنك غلام معلم، الحديث. وروى محمد بن إسحاق عن يحيى بن عروة عن أبيه أن ابن مسعود كان أول من جهر بالقرآن بمكة، بعد النبي عند البيت، وقريش في أنديتها قرأ سورة الرحمن علم القرآن، فقاموا إليه فضربوه، ولزم رسول الله ، وكان يحمل نعليه وسواكه، وقال له إذنك على أن تسمع سوادي [١] ولهذا كان يقال له صاحب السواك والوساد، وهاجر إلى الحبشة ثم عاد إلى مكة ثم هاجر إلى المدينة، وشهد بدرا، وهو الّذي قتل أبا جهل بعد ما أثبته ابنا عفراء، وشهد بقية المشاهد،

وقال له رسول الله يوما «اقرأ على» فقلت أقرأ عليك وعليك أنزل؟ فقال «إني أحب أن أسمعه من غيري» فقرأ عليه من أول سورة النساء إلى قوله (فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا) فبكى رسول الله وقال «حسبك» وقال أبو موسى: قدمت أنا وأخى من اليمن وما كنا نظن إلا أن ابن مسعود وأمه من أهل بيت النبي ، لكثرة دخولهم بيت النبي . وقال حذيفة ما رأيت أحدا أشبه برسول الله في هديه ودله وسمته من ابن مسعود، ولقد علم المحفوظون من أصحاب محمد أن ابن أم عبد أقربهم إلى الله زلفى، وفي الحديث «وتمسكوا بعهد ابن أم عبد»

وفي الحديث الآخر الّذي رواه أحمد عن محمد بن فضيل عن مغيرة عن أم حرسى عن على أن ابن مسعود صعد شجرة يجتنى الكباث فجعل الناس يعجبون من دقة ساقيه، فقال رسول الله «والّذي نفسي بيده لهما في الميزان أثقل من أحد» وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه وقد نظر إلى قصره وكان يوازى بقامته الجلوس - فجعل يتبعه بصره ثم قال هو كنيف مليء علما. وقد شهد ابن مسعود بعد النبي مواقف كثيرة، منها اليرموك وغيرها، وكان قدم من العراق حاجا فمر بالربذة فشهد وفاة أبى ذر ودفنه، ثم قدم إلى المدينة فمرض بها فجاءه عثمان بن عفان عائدا، فيروي أنه قال له: ما تشتكي؟ قال ذنوبي، قال فما تشتهي؟ قال رحمة ربى، قال ألا آمر لك بطبيب؟ فقال: الطبيب أمرضنى، قال ألا آمر لك بعطائك؟ - وكان قد تركه سنتين - فقال: لا حاجة لي فيه. فقال: يكون لبناتك من بعدك، فقال أتخشى على بناتي الفقر؟ إني أمرت بناتي أن يقرأن كل ليلة سورة الواقعة،

وإني سمعت رسول الله يقول «من قرأ الواقعة كل ليلة لم تصبه فاقة أبدا» وأوصى عبد الله بن مسعود إلى الزبير بن العوام، فيقال إنه هو الّذي صلى عليه ليلا، ثم عاتب عثمان الزبير على ذلك، وقيل بل صلى عليه عثمان، وقيل عمار، فالله أعلم. ودفن بالبقيع عن بضع وستين سنة.

  1. في النهاية اذنك على أن ترفع الحجاب وتستمع سوادي حتى أنهاك. السواد بالكسر السرار