انتقل إلى المحتوى

البداية والنهاية (ط. السعادة)/ثم دخلت سنة ست وستين وسبعمائة

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
ملاحظات: القاهرة: مطبعة السعادة (1351 هـ)، الجزء 14، الصفحات ٣٠٩–٣١٠
 

ثم دخلت سنة ست وستين وسبعمائة

استهلت هذه السنة والسلطان الملك الأشرف ناصر الدين شعبان، والدولة بمصر والشام هم هم، ودخل المحمل السلطاني صبيحة يوم الاثنين الرابع والعشرين منه، وذكروا أنهم نالهم في الرجعة شدة شديدة من الغلاء وموت الجمال وهرب الجمالين، وقدم مع الركب ممن خرج من الديار المصرية قاضى القضاة بدر الدين بن أبى الفتح، وقد سبقه التقليد بقضاء القضاة مع خاله تاج الدين يحكم فيما يحكم فيه مستقلا معه ومنفردا بعده.

وفي شهر الله المحرم رسم نائب السلطنة بتخريب قريتين من وادي التيم وهم مشعرا وتلبتاثا، وسبب ذلك أنهما عاصيان وأهلهما مفسدان في الأرض، والبلدان والأرض حصينان لا يصل إليهما إلا بكلفة كثيرة لا يرتقى إليهما إلا فارس فارس، فخربتا وعمر بدلهما في أسفل الوادي، بحيث يصل إليهما حكم الحاكم والطلب بسهولة، فأخبرني الملك صلاح الدين ابن الكامل أن بلدة تلبتاثا عمل فيها ألف فارس، ونقل نقضها إلى أسفل الوادي خمسمائة حمار عدة أيام.

وفي يوم الجمعة سادس صفر بعد الصلاة صلى على قاضى القضاة جمال الدين يوسف بن قاضى القضاة شرف الدين أحمد بن أقضى القضاة بن الحسين المزي الحنفي، وكانت وفاته ليلة الجمعة المذكورة بعد مرض قريب من شهر، وقد جاوز الأربعين بثلاث من السنين، ولى قضاء قضاة الحنفية، وخطب بجامع يلبغا، وأحضر مشيخة النفيسية، ودرس بأماكن من مدارس الحنفية، وهو أول من خطب بالجامع المستجد داخل باب كيسان بحضرة نائب السلطنة.

وفي صفر كانت وفاة الشيخ جمال الدين عمر بن القاضي عبد الحي بن إدريس الحنبلي محتسب بغداد، وقاضى الحنابلة بها، فتعصبت عليه الروافض حتى ضرب بين يدي الوزارة ضربا مبرحا، كان سبب موته سريعا رحمه الله، وكان من القائمين بالحق الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، من أكبر المنكرين على الروافض وغيرهم من أهل البدع رحمه الله، وبل بالرحمة ثراه.

وفي يوم الأربعاء تاسع صفر حضر مشيخة النفيسية الشيخ شمس الدين بن سند، وحضر عنده قاضى القضاة تاج الدين وجماعة من الأعيان، وأورد حديث عبادة بن الصامت «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» أسنده عن قاضى القضاة المشار إليه.

وجاء البريد من الديار المصرية بطلب قاضى القضاة تاج الدين إلى هناك، فسير أهله قبله على الجمال، وخرجوا يوم الجمعة حادي عشر ربيع الأول جماعة من أهل بيتهم لزيارة أهاليهم هناك، فأقام هو بعدهم إلى أن قدم نائب السلطنة من الرحبة وركب على البريد. وفي يوم الاثنين خامس عشر جمادى الآخرة رجع قاضى القضاة تاج الدين السبكى من الديار المصرية على البريد وتلقاه الناس إلى أثناء الطريق، واحتفلوا للسلام عليه وتهنئته بالسلامة انتهى. والله أعلم.