انتقل إلى المحتوى

البداية والنهاية (ط. السعادة)/ثم دخلت سنة ست وخمسين وستمائة/خليفة الوقت المستعصم بالله

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
ملاحظات: القاهرة: مطبعة السعادة (1351 هـ)، الجزء 13، الصفحات ٢٠٤–٢١٠
 

خليفة الوقت المستعصم بالله

أمير المؤمنين آخر خلفاء بنى العباس بالعراق رحمه الله، وهو أبو أحمد عبد الله بن المستنصر بالله أبى جعفر منصور بن الظاهر بأمر الله أبى نصر محمد بن الناصر لدين الله أبى العباس أحمد بن المستضيء بأمر الله أبى محمد الحسن بن المستنجد بالله أبى المظفر يوسف بن المقتفى لأمر الله أبى عبد الله محمد بن المستظهر بالله أبى العباس أحمد بن المقتدى بالله أبى القاسم عبد الله بن الذخيرة أبى العباس محمد بن القائم بأمر الله عبد الله بن القادر بالله أبى العباس أحمد بن الأمير إسحاق بن المقتدر بالله أبى الفضل جعفر بن المعتضد بالله أبى العباس أحمد بن الأمير الموفق أبى أحمد طلحة بن المتوكل على الله أبى الفضل جعفر بن المعتصم بالله أبى إسحاق محمد بن الرشيد أبى محمد هارون بن المهدي أبى عبد الله محمد ابن المنصور أبى جعفر عبد الله بن محمد بن على بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب بن هاشم الهاشمي العباسي، مولده سنة تسع وستمائة، وبويع له بالخلافة في العشرين من جمادى الأولى سنة أربعين، وكان مقتله في يوم الأربعاء الرابع عشر من صفر سنة ست وخمسين وستمائة، فيكون عمره يوم قتل سبعا وأربعين سنة رحمه الله تعالى. وقد كان حسن الصورة جيد السريرة، صحيح العقيدة مقتديا بأبيه المستنصر في المعدلة وكثرة الصدقات وإكرام العلماء والعباد، وقد استجاز له الحافظ ابن النجار من جماعة من مشايخ خراسان منهم المؤيد الطوسي، وأبو روح عبد العزيز بن محمد الهروي وأبو بكر القاسم بن عبد الله بن الصفار وغيرهم، وحدث عنه جماعة منهم مؤدبه شيخ الشيوخ صدر الدين أبو الحسن على بن محمد بن النيار، وأجاز هو للإمام محيي الدين ابن الجوزي، وللشيخ نجم الدين البادرائي، وحدثا عنه بهذه الاجازة. وقد كان رحمه الله سنيا على طريقة السلف واعتقاد الجماعة كما كان أبوه وجده، ولكن كان فيه لين وعدم تيقظ ومحبة للمال وجمعه، ومن جملة ذلك أنه استحل الوديعة التي استودعه إياها الناصر داود بن المعظم وكانت قيمتها نحوا من مائة ألف دينار فاستقبح هذا من مثل الخليفة، وهو مستقبح ممن هو دونه بكثير، بل من أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك، كما قال الله تعالى ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاّ ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِماً﴾.

قتلته التتار مظلوما مضطهدا في يوم الأربعاء رابع عشر صفر من هذه السنة، وله من العمر ستة وأربعون سنة وأربعة أشهر. وكانت مدة خلافته خمسة عشر سنة وثمانية أشهر وأياما، فرحمه الله وأكرم مثواه، وبل بالرأفة ثراه. وقد قتل بعده ولداه وأسر الثالث مع بنات ثلاث من صلبه، وشغر منصب الخلافة بعده، ولم يبق في بنى العباس من سد مسده، فكان آخر الخلفاء من بنى العباس الحاكمين بالعدل بين الناس، ومن يرتجى منهم النوال ويخشى الباس، وختموا بعبد الله المستعصم كما فتحوا بعبد الله السفاح، بويع له بالخلافة وظهر ملكه وأمره في سنة ثنتين وثلاثين ومائة، بعد انقضاء دولة بنى أمية كما تقدم بيانه، وآخرهم عبد الله المستعصم وقد زال ملكه وانقضت خلافته في هذا العام، فجملة أيامهم خمسمائة سنة وأربع وعشرون سنة، وزال ملكهم عن العراق والحكم بالكلية مدة سنة وشهور في أيام البساسيري بعد الخمسين وأربعمائة، ثم عادت كما كانت. وقد بسطنا ذلك في موضعه في أيام القائم بأمر الله ولله الحمد.

ولم تكن أيدي بنى العباس حاكمة على جميع البلاد كما كانت بنو أمية قاهرة لجميع البلاد والأقطار والأمصار، فإنه خرج عن بنى العباس بلاد المغرب، ملكها في أوائل الأمر بعض بنى أمية ممن بقي منهم من ذرية عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك، ثم تغلب عليه الملوك بعد دهور متطاولة كما ذكرنا، وقارن بنى العباس دولة المدعين أنهم من الفاطميين ببلاد مصر وبعض بلاد المغرب، وما هنالك، وبلاد الشام في بعض الأحيان والحرمين في أزمان طويلة [وكذلك أخذت من أيديهم بلاد خراسان وما وراء النهر، وتداولتها الملوك دولا بعد دول، حتى لم يبق مع الخليفة منهم إلا بغداد وبعض بلاد العراق، وذلك لضعف خلافتهم واشتغالهم بالشهوات وجمع الأموال في أكثر الأوقات، كما ذكر ذلك مبسوطا في الحوادث والوفيات] [١] واستمرت دولة الفاطميين قريبا من ثلاثمائة سنة حتى كان آخرهم العاضد الّذي مات بعد الستين وخمسمائة في الدولة الصلاحية الناصرية القدسية، وكانت عدة ملوك الفاطميين أربعة عشر ملكا متخلفا، ومدة ملكهم تحريرا من سنة سبع وتسعين ومائتين إلى أن توفى العاضد سنة بضع وستين وخمسمائة، والعجب أن خلافة النبوة التالية لزمان رسول الله كانت ثلاثين سنة كما نطق بها الحديث الصحيح، فكان فيها أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم على ثم ابنه الحسن بن على ستة شهور حتى كملت الثلاثون كما قررنا ذلك في دلائل النبوة، ثم كانت ملكا فكان أول ملوك الإسلام من بنى أبى سفيان معاوية بن أبى سفيان صخر بن حرب بن أمية، ثم ابنه يزيد، ثم ابن ابنه معاوية ابن يزيد بن معاوية، وانقرض هذا البطن المفتتح بمعاوية المختتم بمعاوية، ثم ملك مروان بن الحكم ابن أبى العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي، ثم ابنه عبد الملك، ثم الوليد بن عبد الملك، ثم أخوه سليمان ثم ابن عمه عمر بن عبد العزيز، ثم يزيد بن عبد الملك، ثم هشام بن عبد الملك، ثم الوليد بن يزيد ثم يزيد بن الوليد، ثم أخوه إبراهيم الناقص وهو ابن الوليد أيضا، ثم مروان بن محمد بن مروان الملقب بالحمار، وكان آخرهم، فكان أولهم اسمه مروان وآخرهم اسمه مروان، ثم انقرضوا من أولهم إلى خاتمهم. وكان أول خلفاء بنى العباس عبد الله السفاح، وآخرهم عبد الله المستعصم. وكذلك أول خلفاء الفاطميين فالأول اسمه عبد الله العاضد، وآخرهم عبد الله العاضد، وهذا اتفاق غريب جدا قل من يتنبه له، والله سبحانه أعلم. وهذه أرجوزة لبعض الفضلاء ذكر فيها جميع الخلفاء:

الحمد لله العظيم عرشه
القاهر الفرد القوى بطشه
مقلب الأيام والدهور
وجامع الأنام للنشور
ثم الصلاة بدوام الأبد
على النبي المصطفى محمد
وآله وصحبه الكرام
السادة الأئمة الأعلام
وبعد فان هذه أرجوزة
نظمتها لطيفة وجيزة
نظمت فيها الراشدين الخلفا
من قام بعد النبي المصطفى
ومن تلاهم وهلم جرا
جعلتها تبصرة وذكرى
ليعلم العاقل ذو التصوير
كيف جرت حوادث الأمور
وكل ذي مقدرة وملك
معرضون للفنا والهلك
وفي اختلاف الليل والنهار
تبصرة لكل ذي اعتبار
والملك الجبار في بلاده
يورثه من شاء من عباده
وكل مخلوق فللفناء
وكل ملك فإلى انتهاء
ولا يدوم غير ملك الباري
سبحانه من ملك قهار
منفرد بالعز والبقاء
وما سواه فإلى انقضاء
أول من بويع بالخلافة
بعد النبي ابن أبى قحافة
أعنى الامام الهادي الصديقا
ثم ارتضى من بعده الفاروقا
ففتح البلاد والأمصارا
واستأصلت سيوفه الكفارا
وقام بالعدل قياما يرضى
بذاك جبار السما والأرض
ورضى الناس بذي النورين
ثم على والد السبطين
ثم أتت كتائب مع الحسن
كادوا بأن يجددوا بها الفتن
فأصلح الله على يديه
كما عزا نبينا إليه
وجمع الناس على معاوية
ونقل القصة كل راويه
فمهد الملك كما يريد
وقام فيه بعده يزيد
ثم ابنه وكان برا راشدا
أعنى أبا ليلى وكان زاهدا
فترك الامرة لا عن غلبه
ولم يكن إليها منه طلبه
وابن الزبير بالحجاز يد أب
في طلب الملك وفيه ينصب
وبالشام بايعوا مروانا
بحكم من يقول كن فكانا
ولم يدم في الملك غير عام
وعافصته أسهم الحمام
واستوثق الملك لعبد الملك
ونار نجم سعده في الفلك
وكل من نازعه في الملك
خر صريعا بسيوف الهلك
وقتل المصعب بالعراق
وسير الحجاج ذا الشقاق
إلى الحجاز بسيوف النقم
وابن الزبير لائذ بالحرم
فجار بعد قتله بصلبه
ولم يخف في أمره من ربه
وعند ما صفت له الأمور
تقلبت بجسمه الدهور
ثم أتى من بعده الوليد
ثم سليمان الفتى الرشيد
ثم استفاض في الورى عدل عمر
تابع أمر ربه كما أمر
وكان يدعى بأشجّ القوم
وذي الصلاة والتقى والصوم
فجاء بالعدل والإحسان
وكف أهل الظلم والطغيان
مقتديا بسنة الرسول
والراشدين من ذوى العقول
فجرع الإسلام كأس فقده
ولم يروا مثلا له من بعده
ثم يزيد بعده هشام
ثم الوليد فت منه الهام
ثم يزيد وهو يدعى الناقصا
فجاءه حمامه معافصا
ولم تطل مدة إبراهيما
وكان كل أمره سقيما
وأسند الملك إلى مروانا
فكان من أموره ما كانا
وانقرض الملك على يديه
وحادث الدهر سطا عليه
وقتله قد كان بالصعيد
ولم تفده كثرة العديد
وكان فيه حتف آل الحكم
واستنزعت عنهم ضروب النعم
ثم أتى ملك بنى العباس
لا زال فينا ثابت الأساس
وجاءت البيعة من أرض العجم
وقلدت بيعتهم كل الأمم
وكل من نازعهم من أمم
خر صريعا لليدين والفم
وقد ذكرت من تولى منهم
حين تولى القائم المستعصم
أولهم ينعت بالسفاح
وبعده المنصور ذو الجناح
ثم أتى من بعده المهدي
يتلوه موسى الهادي الصفي
وجاء هارون الرشيد بعده
ثم الأمين حين ذاق فقده
وقام بعد قتله المأمون
وبعده المعتصم المكين
واستخلف الواثق بعد المعتصم
ثم أخوه جعفر موفى الذمم
وأخلص النية في المتوكل
لله ذي العرش القديم الأول
فأدحض البدعة في زمانه
وقامت السنة في أوانه
ولم يبق فيها بدعة مضلة
وألبس المعتزلي ثوب ذله
فرحمة الله عليه أبدا
ما غار نجم في السماء أو بدا
وبعده استولى وقام المعتمد
ومهد الملك وساس المقتصد
وعند ما استشهد قام المنتصر
والمستعين بعده كما ذكر
وجاء بعد موته المعتز
والمهتدي الملتزم الأعز
والمكتفي في صحف العلا أسطر
وبعده ساس الأمور المقتدر
واستوثق الملك بعز القاهر
وبعده الراضي أخو المفاخر
والمتقى من بعد ذا المستكفي
ثم المطيع ما به من خلف
والطائع الطائع ثم القادر
والقائم الزاهد وهو الشاكر
والمقتدى من بعده المستظهر
ثم أتى المسترشد الموقر
وبعده الراشد ثم المقتفى
وحين مات استنجدوا بيوسف
المستضيء العادل في أفعاله
الصادق الصدوق في أقواله
والناضر الشهم الشديد الباس
ودام طول مكثه في الناس
ثم تلاه الظاهر الكريم
وعدله كل به عليم
ولم تطل أيامه في المملكة
غير شهور واعترته الهلكة
وعهده كان إلى المستنصر
العادل البر الكريم العنصر
دام يسوس الناس سبع عشرة
وأشهرا بعزمات برّه
ثم توفى عام أربعينا
وفي جمادى صادف المنونا
وبايع الخلائق المستعصما
صلى عليه ربنا وسلما
فأرسل الرسل إلى الآفاق
يقضون بالبيعة والوفاق
وشرفوا بذكره المنابرا
ونشروا في جوده المفاخرا
وسار في الآفاق حسن سيرته
وعدله الزائد في رعيته

قال الشيخ عماد الدين ابن كثير رحمه الله تعالى: ثم قلت أنا بعد ذلك أبياتا:

ثم ابتلاه الله بالتتار
أتباع جنكيزخان الجبار
صحبته ابن ابنه هولاكو
فلم يكن من أمره فكاك
فمزقوا جنوده وشمله
وقتلوه نفسه وأهله
ودمروا بغداد والبلادا
وقتلوا الأحفاد والأجدادا
وانتهبوا المال مع الحريم
ولم يخافوا سطوة العظيم
وغرهم إنظاره وحلمه
وما اقتضاه عدله وحكمه
وشغرت من بعده الخلافة
ولم يؤرخ مثلها من آفة
ثم أقام الملك أعنى الظاهرا
خليفة أعنى به المستنصرا
تثم ولى من بعد ذاك الحاكم
مسيم بيبرس الامام العالم
ثم ابنه الخليفة المستكفي
وبعض هذا للبيب يكفى
ثم ولى من بعده جماعة
ما عندهم علم ولا بضاعة
ثم تولى وقتنا المعتضد
ولا يكاد الدهر مثله يجد
في حسن خلق واعتقاد وحلى
وكيف لا وهو من السيم الأولى
سادوا البلاد والعباد فضلا
وملئوا الأقطار حكما وعدلا
أولاد عم المصطفى محمد
وأفضل الخلق بلا تردد
صلى عليه الله ذو الجلال
ما دامت الأيام والليالي

  1. زيادة من نسخة أخرى بالآستانة.