انتقل إلى المحتوى

البداية والنهاية (ط. السعادة)/ثم دخلت سنة ست وثمانين وخمسمائة/فصل(5)

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
فصل
​البداية والنهاية​ (1351 هـ)
 المؤلف ابن كثير الدمشقي
فصل
ملاحظات: القاهرة: مطبعة السعادة (1351 هـ)، الجزء 12، الصفحات ٣٤٠–٣٤١
 

فصل

ولما دخل فصل الشتاء وانشمرت مراكب الفرنج عن البلد خوفا من الهلاك بسبب اغتلام البحر، سأل من بالبلد من المسلمين من السلطان أين يريحهم مما هم فيه من الحصر العظيم، والقتال ليلا ونهارا، وأن يرسل إلى البلد بدلهم، فرق لهم السلطان، وعزم على ذلك، وكانوا قريبا من عشرين ألف مسلم ما بين أمير ومأمور، فجهز جيشا آخر غيرهم، ولم يكن ذلك برأي جيد، ولكن ما قصد السلطان إلا خيرا، وأن هؤلاء يدخلون البلد بهمم حدة شديدة، ولهم عزم قوى، وهم في راحة بالنسبة إلى ما أولئك ولكن أولئك الذين كانوا بالبلد وخرجوا منه كانت لهم خبرة بالبلد وبالقتال وكان لهم صبر، وجلد وقد تمونوا فيها مؤنة تكفيهم سنة، فانمحقت بسبب ذلك، وقدم بطش من مصر فيه ميرة تكفى أهل البلد سنة كاملة، فقدر الله العظيم - وله الأمر من قبل ومن بعد - أنها لما توسطت البحر واقتربت من المينا هاجت عليها ريح عظيمة فانقلبت تلك البطش وتغلبت على عظمها فاختبطت واضطربت وتصادمت فتكسرت وغرقت، وغرق ما كان فيها من الميرة والبحارة، فدخل بسبب ذلك وهن عظيم على المسلمين، واشتد الأمر جدا، ومرض السلطان وازداد مرضا إلى مرضه، ف ﴿إِنّا لِلّهِ وَإِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ﴾. وكان ذلك عونا للعدو المخذول على أخذ البلد، ولا قوة إلا بالله، وذلك في ذي الحجة من هذه السنة، وكان المقدم على الداخلين إلى عكا الأمير سيف الدين على بن أحمد بن المشطوب.

وفي اليوم السابع من ذي الحجة سقطت ثلمة عظيمة من سور عكا، فبادر الفرنج إليها فسبقهم المسلمون إلى سدها بصدورهم، وقاتلوا دونها بنحورهم، وما زالوا يمانعون عنها حتى بنوها أشد مما كانت، وأقوى وأحسن. ووقع في هذه السنة وباء عظيم في المسلمين والكافرين، فكان السلطان يقول في ذلك:

اقتلوني ومالكا
واقتلوا مالكا معى

واتفق موت ابن ملك الألمان لعنه الله في ثانى ذي الحجة، وجماعة من كبراء الكندهرية، وسادات الفرنج لعنهم الله، فحزن الفرنج على ابن ملك الألمان وأوقدوا نارا عظيمة في كل خيمة، وصار كل يوم يهلك من الفرنج المائة والمائتان، واستأمن السلطان جماعة منهم من شدة ما هم فيه من الجوع والضيق والحصر، وأسلم خلق كثير منهم. وفيها قدم القاضي الفاضل من مصر على السلطان، وكان قد طال شوق كل منهما إلى صاحبه، فأفضى كل منهما إلى صاحبه ما كان يسره ويكتمه من الآراء التي فيها مصالح المسلمين.