البداية والنهاية (ط. السعادة)/ثم دخلت سنة ست وتسعين/ذكر سبب مقتل قتيبة بن مسلم رحمه الله
ذكر سبب مقتل قتيبة بن مسلم رحمه الله
وذلك أنه جمع الجند والجيوش وعزم على خلع سليمان بن عبد الملك من الخلافة وترك طاعته، وذكر لهم همته وفتوحه وعدله فيهم، ودفعه الأموال الجزيلة إليهم، فلما فرغ من مقالته لم يجبه أحد منهم إلى مقالته، فشرع في تأنيبهم وذمهم، قبيلة قبيلة، وطائفة طائفة، فغضبوا عند ذلك ونفروا عنه وتفرقوا، وعملوا على مخالفته، وسعوا في قتله، وكان القائم بأعباء ذلك رجل يقال له وكيع بن أبى سود، فجمع جموعا كثيرة، ثم ناهضه فلم يزل به حتى قتله في ذي الحجة من هذه السنة، وقتل معه أحد عشر رجلا من إخوته وأبناء إخوته، ولم يبق منهم سوى ضرار بن مسلم، وكانت أمه الغراء بنت ضرار بن القعقاع بن معبد بن سعد بن زرارة، فحمته أخواله، وعمرو بن مسلم كان عامل الجوزجان وقتل قتيبة وعبد الرحمن وعبد الله وعبيد الله وصالح ويسار، وهؤلاء أبناء مسلم، وأربعة من أبنائهم فقتلهم كلهم وكيع بن سود.
وقد كان قتيبة بن مسلم بن عمرو بن حصين بن ربيعة أبو حفص الباهلي، من سادات الأمراء وخيارهم، وكان من القادة النجباء الكبراء، والشجعان وذوى الحروب والفتوحات السعيدة، والآراء الحميدة، وقد هدى الله على يديه خلقا لا يحصيهم إلا الله، فأسلموا ودانوا لله عز وجل، وفتح من البلاد والأقاليم الكبار والمدن العظام شيئا كثيرا كما تقدم ذلك مفصلا مبينا، والله سبحانه لا يضيع سعيه ولا يخيب تعبه وجهاده.
ولكن زل زلة كان فيها حتفه، وفعل فعلة رغم فيها أنفه، وخلع الطاعة فبادرت المنية إليه، وفارق الجماعة فمات ميتة جاهلية، لكن سبق له من الأعمال الصالحة ما قد يكفر الله به سيئاته، ويضاعف به حسناته، والله يسامحه ويعفو عنه، ويتقبل منه ما كان يكابده من مناجزة الأعداء، وكانت وفاته بفرغانة من أقصى بلاد خراسان، في ذي الحجة من هذه السنة، وله من العمر ثمان وأربعون سنة، وكان أبوه أبو صالح مسلم فيمن قتل مع مصعب بن الزبير، وكانت ولايته على خراسان عشر سنين، واستفاد وأفاد فيها خيرا كثيرا، وقد رثاه عبد الرحمن بن جمانة الباهلي فقال: -
ولقد بالغ هذا الشاعر في بيته الأخير. وعبهر ولد له. وقال الطرماح في هذه الوقعة التي قتل فيها على يد وكيع بن سود:
وقد بسط ابن جرير هذه القصيدة بسطا كثيرا وذكر أشعارا كثيرة جدا. وقال ابن خلكان وقال جرير يرثى قتيبة بن مسلم رحمه الله وسامحه، وأكرم مثواه وعفا عنه:
قال: وقد ولى من أولاده وذريته جماعة الإمرة في البلدان، فمنهم عمر بن سعيد بن قتيبة بن مسلم وكان جوادا ممدحا، رثاه حين مات أبو عمرو أشجع بن عمرو السلمي المري نزيل البصرة يقول:
قال ابن خلكان: وهي من أحسن المراثي وهي في الحماسة، ثم تكلم على باهلة وأنها قبيلة مرذولة عند العرب،
قال: وقد رأيت في بعض المجاميع أن الأشعث بن قيس قال: يا رسول الله أتتكافأ دماؤنا؟ قال: «نعم! ولو قتلت رجلا من باهلة لقتلتك». وقيل لبعض العرب: أيسرك أن تدخل الجنة وأنت باهلي؟ قال: بشرط أن لا يعلم أهل الجنة بذلك. وسأل بعض الأعراب رجلا ممن أنت؟ فقال: من باهلة، فجعل يرثى له قال: وأزيدك أنى لست من الصميم وإنما أنا من مواليهم.
فجعل يقبل يديه ورجليه، فقال: ولم تفعل هذا؟ فقال: لأن الله تعالى ما ابتلاك بهذه الرزية في الدنيا إلا ليعوضك الجنة في الآخرة.
ثم قال ابن جرير: وفي هذه السنة توفى قرة بن شريك العبسيّ أمير مصر وحاكمها. قلت:
هو قرة بن شريك أمير مصر من جهة الوليد، وهو الّذي بنى جامع الفيوم. وفيها حج بالناس أبو بكر محمد بن عمرو بن حزم، وكان هو الأمير على المدينة، وكان على مكة عبد العزيز بن عبد الله بن خالد بن أسيد، وعلى حرب العراق وصلاتها يزيد بن المهلب، وعلى خراجها صالح بن عبد الرحمن، وعلى نيابة البصرة ليزيد بن المهلب سفيان بن عبد الله الكندي، وعلى قضائها عبد الرحمن بن أذينة، وعلى قضاء الكوفة أبو بكر بن أبى موسى، وعلى حرب خراسان وكيع بن سود والله سبحانه وتعالى أعلم.