انتقل إلى المحتوى

البداية والنهاية (ط. السعادة)/ثم دخلت سنة ستين وستمائة/ذكر بيعة الحاكم بأمر الله العباسي

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
ملاحظات: القاهرة: مطبعة السعادة (1351 هـ)، الجزء 13، الصفحات ٢٣٣–٢٣٥
 

ذكر بيعة الحاكم بأمر الله العباسي

في السابع والعشرين من ربيع الآخر دخل الخليفة أبو العباس الحاكم بأمر الله أحمد بن الأمير أبى على القبّي بن الأمير على بن الأمير أبى بكر بن الامام المسترشد بالله بن المستظهر بالله أبى العباس أحمد من بلاد الشرق وصحبته جماعة من رءوس تلك البلاد، وقد شهد الوقعة صحبة المستنصر، وهرب هو في جماعة من المعركة فسلم، فلما كان يوم دخوله تلقاه السلطان الظاهر وأظهر السرور له والاحتفال به، وأنزله في البرج الكبير من قلعة الجبل، وأجريت عليه الأرزاق الدارة والإحسان. وفي ربيع الآخر عزل الملك الظاهر الأمير جمال الدين آقوش النجيبى عن استداريته واستبدل به غيره وبعد ذلك أرسله نائبا على الشام كما سيأتي.

وفي يوم الثلاثاء تاسع رجب حضر السلطان الظاهر إلى دار العدل في محاكمة في بئر إلى بيت القاضي تاج الدين عبد الوهاب ابن بنت الأعز فقام الناس إلا القاضي فإنه أشار عليه أن لا يقوم. وتداعيا وكان الحق مع السلطان وله بينة عادلة، فانتزعت البئر من يد الغريم وكان الغريم أحد الأمراء.

وفي شوال استناب الظاهر على حلب الأمير علاء الدين أيدكين الشهابى وحينئذ انحاز عسكر سيس على القلعة من أرض حلب فركب إليهم الشهابى فكسرهم وأسر منهم جماعة فبعثهم إلى مصر فقتلوا. وفيها استناب السلطان على دمشق الأمير جمال الدين آقوش النجيبى، وكان من أكابر الأمراء وعزل عنها علاء الدين طيبرس الوزيري وحمل إلى القاهرة.

وفي ذي القعدة خرج مرسوم السلطان إلى القاضي تاج الدين ابن بنت الأعز أن يستنيب من كل مذهب من المذاهب الثلاثة نائبا فاستناب من الحنفية صدر الدين سليمان الحنفي، ومن الحنابلة شمس الدين محمد بن الشيخ العماد، ومن المالكية شرف الدين عمر السبكى المالكي.

وفي ذي الحجة قدمت وفود كثيرة من التتار على الملك الظاهر مستأمنين فأكرمهم وأحسن إليهم وأقطعهم إقطاعات حسنة، وكذلك فعل بأولاد صاحب الموصل ورتب لهم رواتب كافية.

وفيها أرسل هولاكو طائفة من جنده نحو عشرة آلاف فحاصروا الموصل ونصبوا عليها أربعة وعشرين منجنيقا، وضاقت بها الأقوات.

وفيها أرسل الملك الصالح إسماعيل بن لؤلؤ إلى التركي يستنجده فقدم عليه فهزمت التتار ثم ثبتوا والتقوا معه، وإنما كان معه سبعمائة مقاتل فهزموه وجرحوه وعاد إلى البيرة وفارقه أكثر أصحابه فدخلوا الديار المصرية، ثم دخل هو إلى الملك الظاهر فأنعم عليه وأحسن إليه وأقطعه سبعين فارسا، وأما التتار فإنهم عادوا إلى الموصل ولم يزالوا حتى استنزلوا صاحبها الملك الصالح إليهم ونادوا في البلد بالأمان حتى اطمأن الناس ثم مالوا عليهم فقتلوهم تسعة أيام وقتلوا الملك الصالح إسماعيل وولده علاء الدين وخربوا أسوار البلد وتركوها بلاقع ثم كروا راجعين قبحهم الله.

وفيها وقع الخلف بين هولاكو وبين السلطان بركه خان ابن عمه، وأرسل إليه بركه يطلب منه نصيبا مما فتحه من البلاد وأخذه من الأموال والأسرار، على ما جرت به عادة ملوكهم، فقتل رسله فاشتد غضب بركه، وكاتب الظاهر ليتفقا على هولاكو.

وفيها وقع غلاء شديد بالشام فبيع القمح الغرارة بأربعمائة والشعير بمائتين وخمسين، واللحم الرطل بستة أو سبعة. وحصل في النصف من شعبان خوف شديد من التتار فتجهز كثير من الناس إلى مصر، وبيعت الغلات حتى حواصل القلعة والأمراء، ورسم أولياء الأمور على من له قدرة أن يسافر من دمشق إلى بلاد مصر، ووقعت رجفة عظيمة في الشام وفي بلاد الروم، ويقال إنه حصل لبلاد التتر خوف شديد أيضا، فسبحان الفعال لما يريد وبيده الأمر. وكان الآمر لأهل دمشق بالتحول منها إلى مصر نائبها الأمير علاء الدين طيبرس الوزيري، فأرسل السلطان إليه في ذي القعدة فأمسكه وعزله واستناب عليها بهاء الدين النجيبى، واستوزر بدمشق عز الدين بن وداعة.

وفيها نزل ابن خلكان عن تدريس الركنية لأبى شامة وحضر عنده حين درس وأخذ في أول مختصر المزني.