البداية والنهاية (ط. السعادة)/ثم دخلت سنة ستين وخمسمائة/الوزير ابن هبيرة
الوزير ابن هبيرة
يحيى بن محمد بن هبيرة، أبو المظفر الوزير للخلافة عون الدين، مصنف كتاب الإفصاح، وقد قرأ القرآن وسمع الحديث، وكانت له معرفة جيدة بالنحو واللغة والعروض، وتفقه على مذهب الامام أحمد، وصنف كتبا جيدة مفيدة، من ذلك الإفصاح في مجلدات، شرح فيه الحديث وتكلم على مذاهب العلماء، وكان على مذهب السلف في الاعتقاد، وقد كان فقيرا لا مال له، ثم تعرض للخدمة إلى أن وزر للمقتفى ثم لابنه المستنجد، وكان من خيار الوزراء وأحسنهم سيرة، وأبعدهم عن الظلم، وكان لا يلبس الحرير، وكان المقتفى يقول ما وزر لبني العباس مثله، وكذلك ابنه المستنجد، وكان المستنجد معجبا به، قال مرجان الخادم سمعت أمير المؤمنين المستنجد ينشد لابن هبيرة وهو بين يديه من شعره.
وقد كان يبالغ في إقامة الدولة العباسية، وحسم مادة الملوك السلجوقية عنهم بكل ممكن، حتى استقرت الخلافة في العراق كله، ليس للملوك معهم حكم بالكلية ولله الحمد. وكان يعقد في داره للعلماء مجلسا للمناظرة يبحثون فيه ويناظرون عنده، يستفيد منهم ويستفيدون منه، فاتفق يوما أنه كلم رجلا من الفقهاء كلمة فيها بشاعة قال له: يا حمار، ثم ندم فقال: أريد أن تقول لي كما قلت لك، فامتنع ذلك الرجل، فصالحه على مائتي دينار. مات فجأة، ويقال إنه سمه طبيب فسم ذلك الطبيب بعد ستة أشهر، وكان الطبيب يقول سممته فسممت. مات يوم الأحد الثاني عشر من جمادى الأولى من هذه السنة، عن إحدى وستين سنة، وغسله ابن الجوزي، وحضر جنازته خلق كثير وجم غفير جدا، وغلقت الأسواق، وتباكى الناس عليه، ودفن بالمدرسة التي أنشأها بباب البصرة رحمه الله. وقد رثاه الشعراء بمراثي كثيرة.