انتقل إلى المحتوى

البداية والنهاية (ط. السعادة)/ثم دخلت سنة سبع وستين ومائة

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
ملاحظات: القاهرة: مطبعة السعادة (1351 هـ)، الجزء 10، الصفحات ١٤٩–١٥٠
 

ثم دخلت سنة سبع وستين ومائة

فيها وجه المهدي ابنه موسى الهادي إلى جرجان في جيش كثيف لم ير مثله، وجعل على رسائله أبان بن صدقة. وفيها توفى عيسى بن موسى الّذي كان ولى العهد من بعد المهدي: مات بالكوفة فأشهد نائبها روح بن حاتم على وفاته القاضي وجماعة من الأعيان. ثم دفن. وكان قد امتنع من الصلاة عليه فكتب إليه المهدي يعنفه أشد التعنيف، وأمر بمحاسبته على عمله. وفيها عزل المهدي أبا عبيد الله معاوية بن عبيد الله عن ديوان الرسائل وولاه الربيع بن يونس الحاجب، فاستخلف فيه سعيد بن واقد وكان أبو عبيد الله يدخل على مرتبته. وفيها وقع وباء شديد وسعال كثير ببغداد والبصرة، وأظلمت الدنيا حتى كانت كالليل حتى تعالى النهار، وكان ذلك لليال بقين من ذي الحجة من هذه السنة. وفيها تتبع المهدي جماعة من الزنادقة في سائر الآفاق فاستحضرهم وقتلهم صبرا بين يديه، وكان المتولي أمر الزنادقة عمر الكلواذي. وفيها أمر المهدي بزيادة كثيرة في المسجد الحرام، فدخل في ذلك دور كثيرة، وولى ذلك ليقطين بن موسى الموكل بأمر الحرمين، فلم يزل في عمارة ذلك حتى مات المهدي كما سيأتي. ولم يكن للناس صائفة للهدنة. وحج بالناس نائب المدينة إبراهيم بن محمد.

وتوفى بعد فراغه من الحج بأيام. وولى مكانه إسحاق بن عيسى بن على بن عبد الله بن عباس.

وممن توفى فيها من الأعيان.

بشار بن برد أبو معاذ الشاعر مولى عقيل، ولد أعمى، وقال الشعر وهو دون عشر سنين، وله التشبيهات التي لم يهتد إليها البصراء. وقد أثنى عليه الأصمعي والجاحظ وأبو تمام وأبو عبيدة، وقال له ثلاثة عشر ألف بيت من الشعر. فلما بلغ المهدي أنه هجاه وشهد عليه قوم أنه زنديق أمر به فضرب حتى مات عن بضع وسبعين سنة. وقد ذكره ابن خلكان في الوفيات، فقال: بشار بن برد بن يرجوخ العقيلي مولاهم، وقد نسبه صاحب الأغاني فأطال نسبه. وهو بصرى قدم بغداد أصله من طخارستان، وكان ضخما عظيم الخلق، وشعره في أول طبقات المولدين، ومن شعره البيت المشهور:

هل تعلمين وراء الحب منزلة
تدنى إليك فان الحب أقصانى

وقوله:

أنا والله أشتهى سحر عينيك
وأخشى مصارع العشاق

وله:

يا قوم أذنى لبعض الحي عاشقة
والأذن تعشق قبل العين أحيانا
قالوا لم لا نرى عينيك قلت لهم
الأذن كالعين تروى القلب مكانا [١]

وله:

إذا بلغ الرأى التشاور فاستعن
بحزم نصيح أو نصيحة حازم
ولا تجعل الشورى عليك غضاضة
فريش الخوافي قوة للقوادم
وما خير كف أمسك الغلّ أختها
وما خير سيف لم يؤيد بقائم

كان بشار يمدح المهدي حتى وشى إليه الوزير [٢] أنه هجاه وقذفه ونسبه إلى شيء من الزندقة، وأنه يقول بتفضيل النار على التراب، وعذر إبليس في السجود لآدم، وأنه أنشد: -

الأرض مظلمة والنار مشرقة
والنار معبودة مد كانت النار

فأمر المهدي بضربه فضرب حتى مات. ويقال: إنه غرق ثم نقل إلى البصرة في هذه السنة.

وفيها توفى الحسن بن صالح بن حيي، وحماد بن سلمة، والربيع بن مسلم، وسعيد بن عبد العزيز ابن مسلم، وعتبة الغلام: وهو عتبة بن أبان بن صمعة أحد العباد المشهورين البكاءين المذكورين، كان يأكل من عمل يده في الخوص، ويصوم الدهر ويفطر على الخبز والملح. والقاسم الحذاء، وأبو هلال محمد بن سليم، ومحمد بن طلحة، وأبو حمزة اليشكري محمد بن ميمون.

  1. في هذا البيت تحريف
  2. بهامش التركية: أي نسب الوزير لبشار.