البداية والنهاية (ط. السعادة)/ثم دخلت سنة سبع وسبعين ومائتين/فأما يعقوب بن سفيان بن حران
فأما يعقوب بن سفيان بن حران
فهو أبو يوسف بن أبى معاوية الفارسي الفسوي، سمع الحديث الكثير، وروى عن أكثر من ألف شيخ من الثقات، منهم هشام بن عمار، ودحيم، وأبو المجاهر، وسليمان بن عبد الرحمن الدمشقيون، وسعيد بن منصور وأبو عاصم، ومكي بن إبراهيم، وسليمان بن حرب، ومحمد بن كثير وعبيد الله بن موسى والقعنبي. روى عنه النسائي في سننه وأبو بكر بن أبى داود والحسن بن سفيان وابن خراش وابن خزيمة وأبو عوانة الأسفراييني وغيرهم، وصنف كتاب التاريخ والمعرفة وغيره من الكتب المفيدة، وقد رحل في طلب الحديث إلى البلدان النائية، وتغرب عن وطنه نحو ثلاثين سنة وروى ابن عساكر عنه قال: كنت أكتب في الليل على ضوء السراج في زمن الرحلة فبينا أنا ذات ليلة إذ وقع شيء على بصرى فلم أبصر معه السراج، فجعلت أبكى على ما فاننى من ذهاب بصرى، وما يفوتني بسبب ذلك من كتابة الحديث، وما أنا فيه من الغربة، ثم غلبتني عيني فنمت فرأيت رسول الله ﷺ فقال: مالك؟ فشكوت إليه ما أنا فيه من الغربة، وما فاتنى من كتابة السنة.
فقال: «أدن منى، فدنوت منه فجعل يده على عيني وجعل كأنه يقرأ شيئا من القرآن». ثم استيقظت فأبصرت وجلست أسبح الله. وقد أثنى عليه أبو زرعة الدمشقيّ والحاكم أبو عبد الله النيسابورىّ، وقال: هو إمام أهل الحديث بفارس، وقدم نيسابور وسمع منه مشايخنا وقد نسبه بعضهم إلى التشيع.
وذكر ابن عساكر أن يعقوب بن الليث صاحب فارس بلغه عنه أنه يتكلم في عثمان بن عفان فأمر بإحضاره فقال له وزيره: أيها الأمير إنه لا يتكلم في شيخنا عثمان بن عفان السجزى، إنما يتكلم في عثمان بن عفان الصحابي، فقال: دعوه ما لي وللصحابى، إني إنما حسبته يتكلم في شيخنا عثمان بن عفان السجزى.
قلت: وما أظن هذا صحيحا عن يعقوب بن سفيان فإنه إمام محدث كبير القدر، وقد كانت وفاته قبل أبى حاتم بشهر في رجب منها بالبصرة رحمه الله. وقد رآه بعضهم في المنام فقال: ما فعل بك ربك؟ فقال: غفر لى وأمرنى أن أملى الحديث في السماء كما كنت أمليه في الأرض، فجلست للاملاء في السماء الرابعة، وجلس حولي جماعة من الملائكة منهم جبريل يكتبون ما أمليه من الحديث بأقلام الذهب.