انتقل إلى المحتوى

البداية والنهاية (ط. السعادة)/ثم دخلت سنة سبع وثلاثين ومائتين

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
ملاحظات: القاهرة: مطبعة السعادة (1351 هـ)، الجزء 10، الصفحات ٣١٥–٣١٧
 

ثم دخلت سنة سبع وثلاثين ومائتين

فيها قبض يوسف بن محمد بن يوسف نائب أرمينية على البطريق الكبير بها وبعثه إلى نائب الخليفة، واتفق بعد بعثه إياه أن سقط ثلج عظيم على تلك البلاد، فتحزب أهل تلك الطريق وجاءوا فحاصروا البلد التي بها يوسف فخرج إليهم ليقاتلهم فقتلوه وطائفة كبيرة من المسلمين الذين معه وهلك كثير من الناس من شدة البرد، ولما بلغ المتوكل ما وقع من هذا الأمر الفظيع أرسل إلى أهل تلك الناحية بغا الكبير في جيش كثيف جدا فقتل من أهل تلك الناحية ممن حاصر المدينة نحوا من ثلاثين ألفا وأسر منهم طائفة كبيرة، ثم سار إلى بلاد ألباق من كور البسفرّجان وسلك إلى مدن كثيرة كبار ومهد الممالك ووطد البلاد والنواحي. وفي صفر منها غضب المتوكل على ابن أبى دؤاد القاضي المعتزلي وكان على المظالم، فعزله عنها واستدعى بيحيى بن أكثم فولاه قضاء القضاة والمظالم أيضا. وفي ربيع الأول أمر الخليفة بالاحتياط على ضياع ابن أبى دؤاد وأخذ ابنه أبا الوليد محمد فحبسه في يوم السبت لثلاث خلون من ربيع الآخر، وأمر بمصادرته فحمل مائة ألف وعشرين ألف دينار، ومن الجواهر النفيسة ما يقوّم بعشرين ألف دينار، ثم صولح على ستة عشر ألف ألف درهم. وكان ابن أبى دؤاد قد أصابه الفالج كما ذكرنا، ثم نفى أهله من سامرا إلى بغداد مهانين قال ابن جرير فقال في ذلك أبو العتاهية:

لو كنت في الرأى منسوبا إلى رشد
وكان عزمك عزما فيه توفيق
لكان في الفقه شغل لو قنعت به
عن أن تقول كتاب الله مخلوق
ماذا عليك وأصل الدين يجمعهم
ما كان في الفرع لولا الجهل والموق

وفي عيد الفطر منها أمر المتوكل بإنزال جثة أحمد بن نصر الخزاعي والجمع بين رأسه وجسده وأن يسلم إلى أوليائه، ففرح الناس بذلك فرحا شديدا، واجتمع في جنازته خلق كثير جدا، وجعلوا يتمسحون بها وبأعواد نعشه، وكان يوما مشهودا. ثم أتوا إلى الجذع الّذي صلب عليه فجعلوا يتمسحون به، وأرهج العامة بذلك فرحا وسرورا، فكتب المتوكل إلى نائبة يأمره بردعهم عن تعاطى مثل هذا وعن المغالاة في البشر، ثم كتب المتوكل إلى الآفاق بالمنع من الكلام في مسألة الكلام والكف عن القول بخلق القرآن، وأن من تعلم علم الكلام لو تكلم فيه فالمطبق مأواه إلى أن يموت. وأمر الناس أن لا يشتغل أحد إلا بالكتاب والسنة لا غير، ثم أظهر إكرام الامام أحمد بن حنبل واستدعاه من بغداد إليه، فاجتمع به فأكرمه وأمر له بجائزة سنية فلم يقبلها، وخلع عليه خلعة سنية من ملابسه فاستحيا منه أحمد كثيرا فلبسها إلى الموضع الّذي كان نازلا فيه ثم نزعها نزعا عنيفا وهو يبكى رحمه الله تعالى. وجعل المتوكل في كل يوم يرسل إليه من طعامه الخاص ويظن أنه يأكل منه، وكان أحمد لا يأكل لهم طعاما بل كان صائما مواصلا طاويا تلك الأيام، لأنه لم يتيسر له شيء يرضى أكله، ولكن كان ابنه صالح وعبد الله يقبلان تلك الجوائز وهو لا يشعر بشيء من ذلك، ولولا أنهم أسرعوا الأوبة إلى بغداد لخشى على أحمد أن يموت جوعا، وارتفعت السنة جدا في أيام المتوكل عفا الله عنه، وكان لا يولى أحدا إلا بعد مشورة الامام أحمد، وكان ولاية يحيى بن أكثم قضاء القضاة موضع ابن أبى دؤاد عن مشورته، وقد كان يحيى بن أكثم هذا من أئمة السنة، وعلماء الناس، ومن المعظمين للفقه والحديث واتباع الأثر، وكان قد ولى من جهته حبان بن بشر قضاء الشرقية، وسوار ابن عبد الله قضاء الجانب الغربي، وكان كلاهما أعورا. فقال في ذلك بعض أصحاب ابن أبى دؤاد:

رأيت من العجائب قاضيين
هما أحدوثة في الخافقين
هما اقتسما العمى نصفين قدّا
كما اقتسما قضاء الجانبين
ويحسب منهما من هز رأسا
لينظر في مواريث ودين
كأنك قد وضعت عليه دنا
فتحت بزاله من فرد عين
هما فأل الزمان بهلك يحيى
إذا افتتح القضاء بأعورين

وغزا الصائفة في هذه السنة على بن يحيى الأرمني. وحج بالناس على بن عيسى بن جعفر بن أبى جعفر المنصور أمير الحجاز. وفيها توفى حاتم الأصم. وممن توفى فيها عبد الأعلى بن حماد. وعبيد الله ابن معاذ العنبري. وأبو كامل الفضيل بن الحسن الجحدري.