البداية والنهاية (ط. السعادة)/ثم دخلت سنة سبع وأربعين ومائتين/وأبو عثمان المازني النحوي
وأبو عثمان المازني النحويّ
واسمه بكر بن محمد بن عثمان البصري شيخ النحاة في زمانه، أخذه عن أبى عبيدة والأصمعي وأبى زيد الأنصاري وغيرهم، وأخذ عنه أبو العباس المبرد وأكثر عنه، وللمازنى مصنفات كثيرة في هذا الشأن. وكان شبيها بالفقهاء ورعا زاهدا ثقة مأمونا. روى عنه المبرد أن رجلا من أهل الذمة طلب منه أن يقرأ عليه كتاب سيبويه ويعطيه مائة دينار فامتنع من ذلك. فلامه بعض الناس في ذلك فقال: إنما تركت أخذ الأجرة عليه لما فيه من آيات الله تعالى. فاتفق بعد هذا أن جارية غنت بحضرة الواثق:
فاختلف من بحضرة الواثق في إعراب هذا البيت، وهل يكون رجلا مرفوعا أو منصوبا، وبم نصب؟ أهو اسم أو ماذا؟ وأصرت الجارية على أن المازني حفظها هذا هكذا. قال فأرسل الخليفة إليه، فلما مثل بين يديه قال له: أنت المازني؟ قال: نعم. قال من مازن تميم أم من مازن ربيعة أم مازن قيس؟ فقلت من مازن ربيعة. فأخذ يكلمني بلغني، فقال: باسمك؟ وهم يقلبون الباء ميما والميم باء، فكرهت أن أقول مكر فقلت: بكر، فأعجبه إعراضي عن المكر إلى البكر، وعرف ما أردت. فقال: على م انتصب رجلا؟ فقلت: لأنه معمول المصدر بمصابكم فأخذ اليزيدي يعارضه فعلاه المازني بالحجة فأطلق له الخليفة ألف دينار ورده إلى أهله مكرما. فعوضه الله عن المائة الدينار - لما تركها لله سبحانه ولم يمكن الّذي من قراءة الكتاب لأجل ما فيه من القرآن - ألف دينار عشرة أمثالها. روى المبرد عنه قال: أقرأت رجلا كتاب سيبويه إلى آخره، فلما انتهى إلى آخره قال لي: أما أنت أيها الشيخ فجزاك الله خيرا، وأما أنا فو الله ما فهمت منه حرفا. توفى المازني في هذه السنة وقيل في سنة ثمان وأربعين.