انتقل إلى المحتوى

البداية والنهاية (ط. السعادة)/ثم دخلت سنة سبعين ومائة من الهجرة النبوية/وهذا ذكر شيء من ترجمة الهادي

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
ملاحظات: القاهرة: مطبعة السعادة (1351 هـ)، الجزء 10، الصفحات ١٥٩–١٦٠
 

وهذا ذكر شيء من ترجمة الهادي

هو موسى بن محمد المهدي بن عبد الله المنصور بن محمد بن على بن عبد الله بن عباس أبو محمد الهادي. ولى الخلافة في محرم سنة تسع وستين ومائة. ومات في النصف من ربيع الأول أو الآخر سنة سبعين ومائة، وله من العمر ثلاث، وقيل أربع، وقيل ست وعشرون سنة، والصحيح الأول، ويقال إنه لم يل الخلافة أحد قبله في سنه، وكان حسنا جميلا طويلا، أبيض، وكان قوى البأس يثب على الدابة وعليه درعان، وكان أبوه يسميه ريحانتي. ذكر عيسى بن دأب قال:

كنت يوما عند الهادي إذ جيء بطست فيه رأس جاريتين قد ذبحا وقطعا، لم أر أحسن صورا منهما، ولا مثل شعورهما، وفي شعورهما اللآلئ والجواهر منضدة، ولا رأيت مثل طيب ريحهما.

فقال لنا الخليفة: أتدرون ما شأن هاتين؟ قلت: لا. فقال: إنه ذكر أنه تركب إحداهما الأخرى يفعلان الفاحشة، فأمرت الخادم فرصدهما ثم جاءني فقال: إنهما مجتمعتان، فجئت فوجدتهما في لحاف واحد وهما على الفاحشة، فأمرت بحز رقابتهما. ثم أمر برفع رءوسهما من بين يديه ورجع إلى حديثه الأول كأنه لم يصنع شيئا. وكان شهما خبيرا بالملك كريما، ومن كلامه: ما أصلح الملك بمثل تعجيل العقوبة للجاني، والعفو عن الزلات، ليقل الطمع عن الملك. وغضب يوما على رجل فاسترضى عنه فرضى، فشرع الرجل يعتذر فقال الهادي: إن الرضا كفاك مؤنة الاعتذار. وعزى رجلا في ولده فقال له: سرّك وهو عدو وفتنة، وساءك وهو صلاة ورحمة. وروى الزبير بن بكار أن مروان بن أبى حفصة أنشد الهادي قصيدة له منها قوله: -

تشابه يوما بأسه ونواله
فما أحد يدرى لأيهما الفضل

فقال له الهادي: أيما أحب إليك؟ ثلاثون ألفا معجلة أو مائة ألف تدور في الدواوين؟ فقال:

يا أمير المؤمنين أو أحسن من ذلك؟ قال: وما هو؟ قال: تكون ألفا معجلة ومائة ألف تدور بالدواوين. فقال الهادي: أو أحسن من ذلك، نعجل الجميع لك. فأمر له بمائة ألف وثلاثين ألفا معجلة.

قال الخطيب البغدادي: حدثني الأزهري ثنا سهل بن أحمد الديباجي ثنا الصولي ثنا الغلابي حدثني محمد بن عبد الرحمن التيمي المكيّ حدثني المطلب بن عكاشة المزني قال: قدمنا على أبى محمد الهادي شهودا على رجل منا أنه شتم قريشا وتخطي إلى رسول الله ، فجلس لنا مجلسا أحضر فيه فقهاء أهل زمانه ومن كان بالحضرة على بابه، وأحضر الرجل وأحضرنا فشهدنا عليه بما سمعنا منه. فتغير وجه الهادي ثم نكس رأسه ثم رفعه ثم قال: إني سمعت أبى المهدي يحدث عن أبيه المنصور عن أبيه على بن عبد الله بن عباس قال: من أهان قريشا أهانه الله، وأنت يا عدو الله لم ترض بأن آذيت قريشا حتى تخطيت إلى ذكر رسول الله ؟ اضربوا عنقه. فما برحنا حتى قتل.

توفى الهادي في ربيع الأول من هذه السنة، وصلى عليه أخوه هارون، ودفن في قصر بناه وسماه الأبيض بعيساباذ من الجانب الشرقي من بغداد، وكان له من الولد تسعة، سبعة ذكور وابنتان، فالذكور جعفر، وعباس، وعبد الله، وإسحاق، وإسماعيل، وسليمان، وموسى الأعمى، الّذي ولد بعد وفاته فسمى باسم أبيه. والبنتان هما أم عيسى التي تزوجها المأمون، وأم العباس تلقب توبة.