انتقل إلى المحتوى

البداية والنهاية (ط. السعادة)/ثم دخلت سنة سبعين ومائة من الهجرة النبوية/ذكر من توفى فيها من الأعيان

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
ملاحظات: القاهرة: مطبعة السعادة (1351 هـ)، الجزء 10، الصفحات ١٦١–١٦٢
 

ذكر من توفى فيها من الأعيان

الخليل بن أحمد بن عمرو بن تميم أبو عبد الرحمن الفراهيدى، ويقال الفرهودى الأزدي، شيخ النحاة، وعنه أخذ سيبويه والنضر بن شميل، وغير واحد من أكابرهم، وهو الّذي اخترع علم العروض. قسمه إلى خمس دوائر وفرعه إلى خمسة عشر بحرا، وزاد الأخفش فيه بحرا آخر وهو الخبب، وقد قال بعض الشعراء: -

قد كان شعر الورى صحيحا
من قبل أن يخلق الخليل

وقد كان له معرفة بعلم النغم، وله فيه تصنيف أيضا، وله كتاب العين في اللغة، ابتدأه وأكمله النضر بن شميل وأضرابه من أصحاب الخليل، كمؤرج السدوسي، ونصر بن على الجهضمي. فلم يناسبوا ما وضعه الخليل. وقد وضع ابن درستويه كتابا وصف فيه ما وقع لهم من الخلل فأفاد. وقد كان الخليل رجلا صالحا عاقلا وقورا كاملا، وكان متقللا من الدنيا جدا، صبورا على خشونة العيش وضيقه، وكان يقول: لا يجاوز همي ما وراء بابي، وكان ظريفا حسن الخلق، وذكر أنه اشتغل رجل عليه في العروض وكان بعيد الذهن فيه، قال فقلت له يوما: كيف تقطع هذا البيت؟

إذا لم تستطع شيئا فدعه
وجاوزه إلى ما تستطيع

فشرع معى في تقطيعه على قدر معرفته، ثم إنه نهض من عندي فلم يعد إلى، وكأنه فهم ما أشرت إليه. ويقال إنه لم يسم أحد بعد النبي بأحمد سوى أبيه، روى ذلك عن أحمد بن أبى خيثمة والله أعلم. ولد الخليل سنة مائة من الهجرة، ومات بالبصرة سنة سبعين ومائة على المشهور، وقيل سنة ستين، وزعم ابن الجوزي في كتابه شذور العقود أنه توفى سنة ثلاثين ومائة، وهذا غريب جدا. والمشهور الأول.

وفيها توفى الربيع بن سليمان بن عبد الجبار بن كامل المرادي مولاهم، المصري المؤدب راوية الشافعيّ، وآخر من روى عنه. وكان رجلا صالحا تفرس فيه الشافعيّ وفي البويطي والمزني وابن عبد الحكم العلم فوافق ذلك ما وقع في نفس الأمر. ومن شعر الربيع هذا:

صبرا جميلا ما أسرع الفرجا
من صدق الله في الأمور نجا
من خشي الله لم ينله أذى
ومن رجا الله كان حيث رجا

فأما الربيع بن سليمان بن داود الجيزى فإنه روى عن الشافعيّ أيضا. وقد مات في سنة ست وخمسين ومائتين والله أعلم.