البداية والنهاية (ط. السعادة)/ثم دخلت سنة خمس وعشرين ومائة/ذكر وفاته وترجمته رحمه الله
ذكر وفاته وترجمته رحمه الله
هو هشام بن عبد الملك بن مروان بن الحكم بن أبى العاص بن أمية بن عبد شمس، أبو الوليد القرشي الأموي الدمشقيّ، أمير المؤمنين. وأمه أم هشام بنت هشام بن إسماعيل المخزومي، وكانت داره بدمشق عند باب الخواصين، وبعضها اليوم مدرسة نور الدين الشهيد التي يقال لها النورية الكبيرة، وتعرف بدار القبابين - يعنى الذين يبيعون القباب وهي الخيام - فكانت تلك المحلة داره والله أعلم. وقد بويع له بالخلافة بعد أخيه يزيد بن عبد الملك بعهد منه إليه، وذلك يوم الجمعة لأربع بقين من شعبان سنة خمس ومائة، وكان له من العمر يومئذ أربع وثلاثون سنة، وكان جميلا أبيض أحول يخضب بالسواد، وهو الرابع من ولد عبد الملك الذين ولوا الخلافة، وقد كان عبد الملك رأى في المنام كأنه بال في المحراب أربع مرات، فدس إلى سعيد بن المسبب من سأله عنها ففسرها له بأنه يلي الخلافة من ولده أربعة، فوقع ذلك، فكان هشام آخرهم، وكان في خلافته حازم الرأى جماعا للأموال يبخل، وكان ذكيا مدبرا له بصر بالأمور جليلها وحقيرها، وكان فيه حلم وأناة، شتم مرة رجلا من الأشراف فقال: أتشتمني وأنت خليفة الله في الأرض؟ فاستحيا وقال: اقتص منى بدلها أو قال بمثلها، فقال: إذا أكون سفيها مثلك، قال فخذ عوضا قال: لا أفعل، قال: فأتركها لله، قال:
هي لله ثم لك، فقال هشام عند ذلك: والله لا أعود إلى مثلها.
وقال الأصمعي: أسمع رجل هشاما كلاما فقال له: أتقول لي مثل هذا وأنا خليفتك؟ وغضب مرة على رجل فقال له: اسكت وإلا ضربتك سوطا، وكان على بن الحسين قد اقترض من مروان ابن الحكم مالا أربعة آلاف دينار، فلم يتعرض له أحد من بنى مروان، حتى استخلف هشام فقال:
ما فعل حقنا قبلك؟ قال: موفور مشكور، فقال! هو لك.
[قلت: هذا الكلام فيه نظر، وذلك أن على بن الحسين مات سنة الفقهاء، وهي سنة أربع وتسعين، قبل أن يلي هشام الخلافة بإحدى عشرة سنة، فإنه إنما ولى الخلافة سنة خمس ومائة، فقول المؤلف: إن أحدا من خلفاء بنى مروان لم يتعرض لمطالبة على بن الحسين حتى ولى هشام فطالبه بالمال المذكور، فيه نظر ولا يصح، لتقدم موت على على خلافة هشام، والله سبحانه وتعالى أعلم] [١] وكان هشام من أكره الناس لسفك الدماء، ولقد دخل عليه من مقتل زيد بن على وابنه يحيى أمر شديد وقال: وددت أنى افتديتهما بجميع ما أملك. وقال المدائني عن رجل من حيي عن بشر مولى هشام قال: أتى هشام برجل عنده قيان وخمر وبربط، فقال: اكسروا الطنبور على رأسه وقرنه، فبكى الشيخ، قال بشر: فضربه، قال أتراني أبكى للضرب، إنما أبكى لاحتقارك البربط حتى سميته طنبورا، وأغلظ لهشام رجل يوما في الكلام فقال: ليس لك أن تقول هذا لامامك. وتفقد أحد ولده يوم الجمعة فبعث إليه مالك لم تشهد الجمعة؟ فقال: إن بغلتي عجزت عنى، فبعث إليه أما كان يمكنك المشي، ومنعه أن يركب سنة، وأن يشهد الجمعة ماشيا وذكر المدائني أن رجلا أهدى إلى هشام طيرين فأوردهما السفير إلى هشام، وهو جالس على سرير في وسط داره، فقال له: أرسلهما في الدار، فأرسلهما، ثم قال: جائزتي يا أمير المؤمنين فقال:
ويحك وما جائزتك على هدية طيرين؟ خذ أحدهما، فجعل الرجل يسعى خلف أحدهما، فقال:
ويحك ما بالك؟ فقال أختار أجودهما: قال: وتختار أيضا الجيد وتترك الرديء؟ ثم أمر له بأربعين أو خمسين درهما. وذكر المدائني عن محرم [٢] كاتب يوسف بن عمر، قال: بعثني يوسف إلى هشام بياقوتة حمراء ولؤلؤة كانتا لرابعة، جارية خالد بن عبد الله القسري، مشتري الياقوتة ثلاثة وسبعون ألف دينار، قال: فدخلت عليه وهو على سرير فوقه فرش لم أر رأس هشام من علو تلك الفرش، فأوريتها له، فقال: كم زنتها؟ فقلت: إن مثل هذه لا مثل لها، فسكت. قالوا: ورأى قوما يفرطون الزيتون فقال القطوه لقطا ولا تنفضوه نفضا، فتفقأ عيونه وتكسر غصونه، وكان يقول: ثلاثة لا يضعن الشريف: تعاهد الصنيعة، وإصلاح المعيشة، وطلب الحق وإن قل. وقال أبو بكر الخرائطى:
يقال إن هشاما لم يقل من الشعر سوى هذا البيت:
وقد روى له شعر غير هذا، وقال المدائني عن ابن يسار الأعرجي حدثني ابن أبى بجيلة عن عقال بن شبة قال: دخلت على هشام وعليه قباء فتك أخضر، فوجهني إلى خراسان، ثم جعل يوصيني وأنا انظر إلى القباء، ففطن فقال: ما لك؟ قلت: عليك قباء فتك أخضر، [وكنت رأيت عليك مثله] قبل أن تلى الخلافة، فجعلت أتأمل هذا هو ذاك أم غيره، قال: والله الّذي لا إله غيره هو ذاك، ما لي قباء غيره، وما ترون من جمعى لهذا المال وصونه إلا لكم. قال عقال: وكان هشام محشوا بخلا.
وقال عبد الله بن عليّ عم السفاح: جمعت دواوين بنى أمية فلم أر أصلح للعامة والسلطان من ديوان هشام. وقال المدائني عن هشام بن عبد الحميد: لم يكن أحد من بنى مروان أشد نظرا في أصحابه ودواوينه، ولا أشد مبالغة في الفحص عنهم من هشام، وهو الّذي قتل غيلان القدري، ولما أحضر بنى يديه قال له: ويحك قل ما عندك، إن كان حقا اتبعناه، وإن كان باطلا رجعت عنه، فناظره ميمون بن مهران فقال لميمون أشياء فقال له: أيعصى الله كارها؟ فسكت غيلان فقيده حينئذ هشام وقتله. وقال الأصمعي عن أبى الزناد عن منذر بن أبى ثور قال: أصبنا في خزائن هشام اثنى عشر ألف قميص كلها قد أثر بها. وشكى هشام إلى أبيه ثلاثا إحداهن أنه يهاب الصعود إلى المنبر، والثانية قلة تناول الطعام، والثالثة أن عنده في القصر مائة جارية من حسان النساء لا يكاد يصل إلى واحدة منهن. فكتب إليه أبوه: أما صعودك إلى المنبر فإذا علوت فوقه فارم ببصرك إلى مؤخر الناس فإنه أهون عليك، وأما قلة الطعام فمر الطباخ فليكثر الألوان فعلك أن تتناول من كل لون لقمة، وعليك بكل بيضاء بضة، ذات جمال وحسن. وقال أبو عبد الله الشافعيّ: لما بنى هشام بن عبد الملك الرصافة قال: أحب أن أخلو بها يوما لا يأتينى فيه خبر غم، فما انتصف النهار حتى أتته ريشة دم من بعض الثغور، فقال: ولا يوما واحدا؟! وقال سفيان بن عيينة: كان هشام لا يكتب إليه بكتاب فيه ذكر الموت. وقال أبو بكر بن أبى خيثمة: ثنا إبراهيم بن المنذر الحزامي ثنا حسين ابن زيد عن شهاب بن عبد ربه عن عمر بن على قال: مشيت مع محمد بن على - يعنى ابن الحسين ابن على بن أبى طالب - إلى داره عند الحمام فقلت له: إنه قد طال ملك هشام وسلطانه، وقد قرب من العشرين سنة، وقد زعم الناس أن سليمان سأل ربه ملكا لا ينبغي لأحد من بعده، فزعم الناس أنها العشرون، فقال: ما أدرى ما أحاديث الناس، ولكن أبى حدثني عن أبيه عن على
عن النبي ﷺ قال: «لن يعمر الله ملكا في أمة نبي مضى قبله ما بلغ ذلك النبي من العمر في أمته، فان الله عمر نبيه ﷺ ثلاث عشرة سنة بمكة وعشرا بالمدينة». وقال ابن أبى خيثمة: ليس حديث فيه توقيت غير هذا، قرأه يحيى بن معين على كتابي فقال: من حدثك به؟ فقلت: إبراهيم، فتلهف أن لا يكون سمعه، وقد رواه ابن جرير في تاريخه عن أحمد بن زهير عن إبراهيم بن المنذر الحزامي. وروى مسلم بن إبراهيم ثنا القاسم بن الفضل حدثني عباد بن المعرا الفتكى [٣] عن عاصم بن