البداية والنهاية (ط. السعادة)/ثم دخلت سنة خمس وسبعين وخمسمائة/ذكر تخريب حصن الأحزان
ذكر تخريب حصن الأحزان
وهو قريب من صفد. ثم ركب السلطان إلى الحصن الّذي كانت الفرنج قد بنوه في العام الماضي وحفروا فيه بئرا وجعلوه لهم عينا، وسلموه إلى الداوية، فقصده السلطان فحاصره ونقبه من جميع جهاته، وألقى فيه النيران وخربه إلى الأساس، وغنم جميع ما فيه، فكان فيه مائة ألف قطعة من السلاح، ومن المأكل شيء كثير، وأخذ منه سبعمائة أسير فقتل بعضا وأرسل إلى دمشق الباقي، ثم عاد إلى دمشق مؤيدا منصورا، غير أنه مات من أمرائه عشرة بسبب ما نالهم من الحر والوباء في مدة الحصار، وكانت أربعة عشر يوما، ثم إن الناس زاروا مشهد يعقوب على عادتهم، وقد امتدحه الشعراء فقال بعضهم:
وقال آخر:
من كتاب كتبه القاضي الفاضل إلى بغداد في خراب هذا الحصن. وقد قيس عرض حائطه فزاد على عشرة أذرع وقطعت له عظام الحجارة كل فص منها سبعة أذرع، إلى ما فوقها وما دونها، وعدتها تزيد على عشرين ألف حجر، لا يستقر الحجر في بنيانه إلا بأربعة دنانير فما فوقها، وفيما بين الحائطين حشو من الحجارة الضخمة الصم، أتوا بها من رءوس الجبال الشم، وقد جعلت شعبيته بالكلس الّذي إذا أحاطت بالحجر مازجه بمثل جسمه، ولا يستطيع الحديد أن يتعرض إلى هدمه. وفيها أقطع صلاح الدين ابن أخيه عز الدين فروخ شاه بعلبكّ. وأغار فيها على صفت وأعمالها، فقتل طائفة كبيرة من مقاتليها، وكان فروخ شاه من الصناديد الأبطال.
وفيها حج القاضي الفاضل من دمشق وعاد إلى مصر فقاسى في الطريق أهوالا، ولقي ترحا وتعبا وكلالا، وكان في العام الماضي قد حج من مصر وعاد إلى الشام، وكان ذلك العام في حقه أسهل من هذا العام. وفيها كانت زلزلة عظيمة انهدم بسببها قلاع وقرى، ومات خلق كثير فيها من الورى، وسقط من رءوس الجبال صخور كبار، وصادمت بين الجبال في البراري والقفار، مع بعد ما بين الجبال من الأقطار. وفيها أصاب الناس غلاء شديد وفناء شريد وجهد جهيد، فمات خلق كثير بهذا وهذا، ف ﴿إِنّا لِلّهِ وَإِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ﴾.