انتقل إلى المحتوى

البداية والنهاية (ط. السعادة)/ثم دخلت سنة خمس وثلاثين/فصل(1)

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
​البداية والنهاية​ (1351 هـ)
 المؤلف ابن كثير الدمشقي
فصل
فصل
ملاحظات: القاهرة: مطبعة السعادة (1351 هـ)، الجزء 7، الصفحات ١٨٩–١٩٠
 

فصل

ولما وقع هذا الأمر العظيم، الفظيع الشنيع، أسقط في أيدي الناس، فأعظموه جدا، وندم أكثر هؤلاء الجهلة الخوارج بما صنعوا، وأشبهوا من تقدمهم ممن قصّ الله علينا خبرهم في كتابه العزيز، من الذين عبدوا العجل. في قوله تعالى ﴿وَلَمّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا وَيَغْفِرْ لَنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ﴾ ولما بلغ الزبير مقتل عثمان - وكان قد خرج من المدينة - قال: ﴿إِنّا لِلّهِ وَإِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ،﴾ ثم ترحم على عثمان، وبلغه أن الذين قتلوه ندموا فقال: تبا لهم، ثم تلا قوله تعالى ﴿ما يَنْظُرُونَ إِلاّ صَيْحَةً واحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ * فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلا إِلى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ﴾ وبلغ عليا قتله فترحم عليه. وسمع بندم الذين قتلوه فتلا قوله تعالى ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إِذْ قالَ لِلْإِنْسانِ اُكْفُرْ فَلَمّا كَفَرَ قالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخافُ اللهَ رَبَّ الْعالَمِينَ﴾ ولما بلغ سعد بن أبى وقاص قتل عثمان استغفر له وترحم عليه، وتلا في حق الذين قتلوه ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالاً * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً﴾ ثم قال سعد: اللهمّ اندمهم ثم خذهم. وقد أقسم بعض السلف بالله إنه ما مات أحد من قتلة عثمان إلا مقتولا. رواه ابن جرير.

وهكذا ينبغي أن يكون لوجوه (منها) دعوة سعد المستجابة كما ثبت في الحديث الصحيح.

وقال بعضهم: ما مات أحد منهم حتى جن. وقال الواقدي: حدثني عبد الرحمن بن أبى الزناد عن عبد الرحمن بن الحارث قال: الّذي قتل عثمان كنانة بن بشر بن عتاب التجيبي. وكانت امرأة منظور بن سيار الفزاري تقول: خرجنا إلى الحج وما علمنا لعثمان بقتل، حتى إذا كنا بالمرج سمعنا رجلا يغنى تحت الليل:

ألا إن خير الناس بعد ثلاثة
قتيل التجيبي الّذي جاء من مضر

ولما رجع الحج وجدوا عثمان رضي الله عنه قد قتل، وبايع الناس على بن أبى طالب رضي الله عنه. ولما بلغ أمهات المؤمنين في أثناء الطريق أن عثمان قد قتل، رجعن إلى مكة فأقمن بها نحوا من أربعة أشهر كما سيأتي