انتقل إلى المحتوى

البداية والنهاية (ط. السعادة)/ثم دخلت سنة خمس وتسعين ومائتين/وفاة الخليفة المكتفي بالله

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
ملاحظات: القاهرة: مطبعة السعادة (1351 هـ)، الجزء 11، الصفحات ١٠٤–١٠٥
 

وفاة الخليفة المكتفي بالله

(أبو محمد بن المعتضد وهذه ترجمته وذكر وفاته) وهو أمير المؤمنين المكتفي بالله بن المعتضد بن الأمير أبى أحمد الموفق بن المتوكل على الله، وقد ذكرنا أنه ليس من الخلفاء من اسمه على سواه بعد على بن أبى طالب، وليس من الخلفاء من يكنى بأبي محمد سوى الحسن بن على بن أبى طالب وهو، وكان مولده في رجب سنة أربع وستين ومائتين، وبويع له بالخلافة بعد أبيه وفي حياته يوم الجمعة لإحدى عشرة ليلة بقيت من ربيع الآخر سنة تسع وثمانين ومائتين، وعمره نحوا من خمس وعشرين سنة، وكان ربعة من الرجال جميلا رقيق الوجه حسن الشعر، وافر اللحية عريضها. ولما مات أبوه المعتضد وولى هو الخلافة دخل عليه بعض الشعراء فأنشده:

أجل الرزايا أن يموت إمام
وأسنى العطايا أن يقوم إمام
فأسقى الّذي مات الغمام وجوده
ودامت تحيات له وسلام
وأبقى الّذي قام الآله وزاده
مواهب لا يفنى لهن دوام
وتمت له الآمال واتصلت بها
فوائد موصول بهن تمام
هو المكتفي بالله يكفيه كلما
عناه بركن منه ليس يرام

فأمر له بجائزة سنية [وقد كان يقول الشعر، فمن ذلك قوله:

من لي بأن أعلم ما ألقى
فتعرف منى الصبابة والعشقا
ما زال لي عبدا وحبي له
صيرني عبدا له رقا
العتق من شأنى ولكنني
من حبه لا أملك العتقا] [١]

وكان نقش خاتمه: على المتوكل على ربه. وكان له من الولد محمد وجعفر وعبد الصمد وموسى وعبد الله وهارون والفضل وعيسى والعباس وعبد الملك. وفي أيامه فتحت انطاكية وكان فيها من أسارى المسلمين بشر كثير وجم غفير، ولما حضرته الوفاة سأل عن أخيه أبى الفضل جعفر بن المعتضد وقد صح عنده أنه بالغ، فأحضره في يوم الجمعة لإحدى عشرة ليلة خلت من ذي القعدة منها وأحضر القضاة وأشهدهم على نفسه بأنه قد فوض أمر الخلافة إليه من بعده، ولقبه بالمقتدر بالله. وتوفى بعد ثلاثة أيام وقيل في آخر يوم السبت بعد المغرب، وقيل بين الظهر والعصر، لاثنتي عشرة ليلة خلت من ذي القعدة، ودفن في دار محمد بن عبد الله بن طاهر، عن ثنتين وقيل ثلاث وثلاثين سنة، وكانت خلافته ست سنين وستة أشهر وتسعة عشر يوما. وأوصى بصدقة من خالص ماله ستمائة ألف دينار، وكان قد جمعها وهو صغير، وكان مرضه بداء الخنازير رحمه الله.

  1. زيادة من المصرية.