البداية والنهاية (ط. السعادة)/ثم دخلت سنة خمس وتسعين ومائة/أبو نواس الشاعر المشهور
أبو نواس الشاعر المشهور
واسمه الحسن بن هانئ بن صباح بن عبد الله بن الجراح بن هنب بن داود بن غنم بن سليم، ونسبه عبد الله بن سعد إلى الجراح بن عبد الله الحكمي، ويقال له أبو نواس البصري، كان أبوه من أهل دمشق من جند مروان بن محمد، ثم صار إلى الأهواز وتزوج امرأة يقال لها خلبان، فولدت له أبا نواس وابنا آخر يقال له أبا معاذ، ثم صار أبو نواس إلى البصرة فتأدب بها على أبى زيد وأبى عبيدة، وقرأ كتاب سيبويه ولزم خلفا الأحمر، وصحب يونس بن حبيب الجرمي النحويّ. وقد قال القاضي ابن خلكان: صحب أبا أسامة وابن الحباب الكوفي، وروى الحديث عن أزهر بن سعد وحماد بن زيد وحماد بن سلمة وعبد الواحد بن زياد ومعتمر بن سليمان، ويحيى القطان. وعنه محمد بن إبراهيم بن كثير الصوفي. وحدث عنه جماعة منهم الشافعيّ وأحمد بن حنبل وغندر ومشاهير العلماء ومن مشاهير
حديثه ما رواه محمد بن إبراهيم بن كثير الصوفي عن حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: «لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله، فان حسن الظن بالله ثمن الجنة». وقال محمد بن إبراهيم: دخلنا عليه وهو في الموت فقال له صالح بن على الهاشمي: يا أبا على! أنت اليوم في آخر يوم من أيام الدنيا وأول يوم من أيام الآخرة، وبينك وبينك الله هنات، فتب إلى الله من عملك. فقال: إياي تخوّف؟ بالله أسندوني. قال: فأسندناه فقال:
حدثني حماد بن سلمة عن يزيد الرقاشيّ عن أنس بن مالك قال قال رسول الله ﷺ: «لكل نبي شفاعة وإني اختبأت شفاعتي لأهل الكبائر من أمتى يوم القيامة». ثم قال: أفلا تراني منهم. وقال أبو نواس: ما قلت الشعر حتى رويت عن ستين امرأة منهن خنساء وليلى، فما الظن بالرجال؟ وقال يعقوب بن السكيت: إذا رويت الشعر عن امرئ القيس والأعشى من أهل الجاهلية، ومن الإسلاميين جرير والفرزدق، ومن المحدثين عن أبى نواس فحسبك. وقد أثنى عليه غير واحد منهم الأصمعي والجاحظ والنظام.
قال أبو عمرو الشيباني: لولا أن أبا نواس أفسد شعره بما وضع فيه من الأقذار لاحتججنا به - يعنى شعره الّذي قاله في الخمريات والمردان، وقد كان يميل إليهم - ونحو ذلك مما هو معروف في شعره.
واجتمع طائفة من الشعراء عند المأمون فقيل لهم: أيكم القائل:
قالوا: أبو نواس. قال: فأيكم القائل: -
قالوا أبو نواس. قال: فأيكم القائل: -
قالوا: أبو نواس. قال: فهو أشعركم. وقال سفيان بن عيينة لابن مناذر: ما أشعر ظريفكم أبا نواس
قال ابن الأعرابي أشعر الناس أبو نواس في قوله: -
وقال أبو العتاهية: قلت في الزهد عشرين ألف بيت، وددت أن لي مكانها الأبيات الثلاثة التي قالها أبو نواس وهي هذه، وكانت مكتوبة على قبره:
وأنشدوا سفيان بن عيينة قول أبى نواس:
فقال ابن عيينة: آمنت بالذي خلقها. وقال ابن دريد قال أبو حاتم: لو أن العامة بدلت هذين البيتين كتبتهما بماء الذهب:
وقد سمع أبو نواس حديث سهيل عن أبى صالح عن أبى هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «القلوب جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف». فنظم ذلك في قصيدة له فقال:
ودخل يوما أبو نواس مع جماعة من المحدثين على عبد الواحد بن زياد فقال لهم عبد الواحد ليختر كل واحد منكم عشرة أحاديث أحدثه بها، فاختار كل واحد عشرة إلا أبا نواس، فقال له:، مالك لا تختار كما اختاروا؟ فأنشأ يقول:
فقال له عبد الواحد: قم عنى يا فاجر، لا حدثتك ولا حدثت أحدا من هؤلاء من أجلك. فبلغ ذلك مالك بن أنس وإبراهيم بن أبى يحيى فقال: كان ينبغي أن يحدثه لعل الله أن يصلحه.
قلت: وهذا الّذي أنشده أبو نواس
قد رواه ابن عدي في كامله عن ابن عباس موقوفا ومرفوعا «من عشق فعف فكتم فمات مات شهيدا». ومعناه أن من ابتلى بالعشق من غير اختيار منه فصبر وعف عن الفاحشة ولم يفش ذلك فمات بسبب ذلك حصل له أجر كثير. فان صح هذا كان ذلك له نوع شهادة والله أعلم.
وروى الخطيب أيضا أن شعبة لقي أبا نواس فقال له: حدثنا من طرفك، فقال مرتجلا: حدثنا الخفاف عن وائل وخالد الحذاء عن جابر ومسعر عن بعض أصحابه يرفعه الشيخ إلى عامر قالوا جميعا:
أيما طفلة علقها ذو خلق طاهر فواصلته ثم دامت له على وصال الحافظ الذاكر، كانت له الجنة مفتوحة يرتع في مرتعها الزاهر، وأي معشوق جفا عاشقا بعد وصال دائم ناصر! ففي عذاب الله بعدا له نعم وسحقا دائم ذاخر. فقال له شعبة: إنك لجميل الأخلاق، وإني لأرجو لك. وأنشد أبو نواس أيضا
فبلغ ذلك إسحاق بن يوسف الأزرق فقال: كذب عدو الله على وعلى التابعين وعلى أصحاب محمد ﷺ. وعن سليم بن منصور بن عمار قال: رأيت أبا نواس في مجلس أبى يبكى بكاء شديدا فقلت: إني لأرجو أن لا يعذبك الله بعد هذا البكاء فأنشأ يقول:
ثم قال: إنما بكيت لبكاء هذا الأمرد الّذي إلى جانب أبيك - وكان صبيا حسن الصورة يسمع الوعظ فيبكي خوفا من الله عز وجل قال: أبو نواس: دعاني يوما بعض الحاكة وألح على ليضيفنى في منزله، ولم يزل بى حتى أجبته فسار إلى منزله وسرت معه فإذا منزل لا بأس به، وقد احتفل الحائك في الطعام وجمع جمعا من الحياك، فأكلنا وشربنا ثم قال: يا سيدي أشتهى أن تقول في جاريتي شيئا من الشعر - وكان مغرما بجارية له - قال فقلت أرنيها حتى أنظم على شكلها وحسنها، فكشف عنها فإذا هي أسمج خلق الله وأوحشهم، سوداء شمطاء ديدانية يسيل لعابها على صدرها. فقلت لسيدها: ما اسمها؟ فقال تسنيم، فأنشأت أقول:
قال فقام الحائك يرقص ويصفق سائر يومه ويفرح ويقول: إنه شبهها والله بملك الروم. ومن
وبالجملة فقد ذكروا له أمورا كثيرة، ومجونا وأشعارا منكرة، وله في الخمريات والقاذورات والتشبب بالمردان والنسوان أشياء بشعة شنيعة، فمن الناس من يفسقه ويرميه بالفاحشة، ومنهم من يرميه بالزندقة، ومنهم من يقول: كان إنما يخرب على نفسه، والأول أظهر، لما في أشعاره. فأما الزندقة فبعيدة عنه، ولكن كان فيه مجون وخلاعة كثيرة. وقد عزوا إليه في صغره وكبره أشياء منكرة الله أعلم بصحتها، والعامة تنقل عنه أشياء كثيرة لا حقيقة لها. وفي صحن جامع دمشق قبة يفور منها الماء يقول الدماشقة قبة أبى نواس، وهي مبنية بعد موته بأزيد من مائة وخمسين سنة، فما أدرى لأى شيء نسبت إليه فالله أعلم بهذا.
وقال محمد بن أبى عمر: سمعت أبا نواس يقول: والله ما فتحت سراويلي لحرام قط. وقال له محمد الأمين بن الرشيد: أنت زنديق. فقال: يا أمير المؤمنين لست بزنديق وأنا أقول:
فقال له الأمين: ويحك! وما الّذي ألجأك إلى نفخة بختيشوع؟ فقال: به تمت القافية. فأمر له بجائزة. وبختيشوع الّذي ذكره هو طبيب الخلفاء. وقال الجاحظ: لا أعرف في كلام الشعراء أرق ولا أحسن من قول أبى نواس حيث يقول:
وقد استنشده أبو عفان قصيدته التي في أولها: لا تنس ليلى ولا تنظر إلى هند. فلما فرغ منها سجد له أبو عفان، فقال له أبو نواس: والله لا أكلمك مدة. قال: فغمني ذلك، فلما أردت الانصراف قال: متى أراك؟ فقلت: ألم تقسم؟ فقال: الدهر أقصر من أن يكون معه هجر.
ومن مستجاد شعره قوله:
وقوله
وجلس أبو العتاهية القاسم بن إسماعيل على دكان وراق فكتب على ظهر دفتر هذه الأبيات:
ثم جاء أبو نواس فقرأها فقال: أحسن قائله والله. والله لوددت أنها لي بجميع شيء قلته، لمن هذه؟ قيل له: لأبى العتاهية، فأخذ فكتب في جانبها:
ومن شعره المستجاد قوله:
وقوله:
وقوله:
وذكر أن أبا نواس لما أراد الإحرام بالحج قال:
وقال المعافى بن زكريا الحريري: ثنا محمد بن العباس بن الوليد سمعت أحمد بن يحيى بن ثعلب يقول: دخلت على أحمد بن حنبل فرأيت رجلا تهمه نفسه لا يحب أن يكثر عليه كأن النيران قد سعرت بين يديه، فما زلت أترفق به وتوسلت إليه أنى من موالي شيبان حتى كلمني، فقال: في أي شيء نظرت من العلوم؟ فقلت: في اللغة والشعر. قال: رأيت بالبصرة جماعة يكتبون عن رجل الشعر، قيل لي هذا أبو نواس. فتخللت الناس ورائي فلما جلست إليه أملى علينا:
وزاد بعضهم في رواية عن أبى نواس بعد هذه الأبيات:
قال ابن طراز الجريريّ: وقد رويت هذه الأبيات لمن؟ قيل لأبى نواس وهي في زهدياته.
وقد استشهد بها النحاة في أماكن كثيرة قد ذكرناها. وقال حسن بن الداية: دخلت على أبى نواس وهو في مرض الموت فقلت: عظني. فأنشأ يقول:
فقلت: ويحك! بمثل هذا الحال تعظنى بهذه الموعظة؟ فقال: اسكت
حدثنا حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس قال قال النبي ﷺ: «ادخرت شفاعتي لأهل الكبائر من أمتى».
وقد تقدم بهذا الاسناد عنه «لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله». وقال الربيع وغيره عن الشافعيّ قال:
دخلنا على أبى نواس في اليوم الّذي مات فيه وهو يجود بنفسه فقلنا: ما أعددت لهذا اليوم؟ فأنشأ يقول:
رواه ابن عساكر. وروى أنهم وجدوا عند رأسه رقعة مكتوبا فيها بخطه:
وقال يوسف بن الداية: دخلت عليه وهو في السياق فقلت: كيف تجدك؟ فأطرق مليا ثم رفع رأسه فقال:
ثم مات من ساعته سامحنا الله وإياه آمين.
وقد كان نقش خاتمه لا إله إلا الله مخلصا، فأوصى أن يجعل في فمه إذا غسلوه ففعلوا به ذلك. ولما مات لم يجدوا له من المال سوى ثلاثمائة درهم وثيابه وأثاثه، وقد كانت وفاته في هذه السنة ببغداد ودفن في مقابر الشونيزى في تل اليهود. وله خمسون سنة. وقيل ستون سنة، وقيل تسع وخمسون سنة.
وقد رآه بعض أصحابه في المنام فقال له: ما فعل الله بك؟ فقال: غفر لي بأبيات قلتها في النرجس:
وفي رواية عنه أنه قال: غفر لي بأبيات قلتها وهي تحت وسادتي فجاءوا فوجدوها برقعة في خطه
الأبيات. وقد تقدمت. وفي رواية لابن عساكر قال بعضهم: رأيته في المنام في هيئة حسنة ونعمة عظيمة فقلت له: ما فعل الله بك؟ قال: غفر لي، قلت: بماذا وقد كنت مخلطا على نفسك؟ فقال: جاء ذات ليلة رجل صالح إلى المقابر فبسط رداءه وصلى ركعتين قرأ فيهما ألفى قل هو الله أحد ثم أهدى ثواب ذلك لأهل تلك المقابر فدخلت أنا في جملتهم، فغفر الله لي. وقال ابن خلكان:
أول شعر قاله أبو نواس لما صحب أبا أسامة والبة بن الحباب:
وقال المأمون: ما أحسن قوله:
قال ابن خلكان: وما أشد رجاءه بربه حيث يقول:
- ↑ في البيت تحريف.