انتقل إلى المحتوى

البداية والنهاية (ط. السعادة)/ثم دخلت سنة خمس وأربعمائة

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
ملاحظات: القاهرة: مطبعة السعادة (1351 هـ)، الجزء 11، الصفحات ٣٥٢–٣٥٣
 

ثم دخلت سنة خمس وأربعمائة

فيها منع الحاكم صاحب مصر النساء من الخروج من منازلهم، أو أن يطلعن من الأسطحة أو من الطاقات، ومنع الخفافين من عمل الخفاف لهن، ومنعهن من الخروج إلى الحمامات، وقتل خلقا من النساء على مخالفته في ذلك، وعدم بعض الحمامات عليهنّ، وجهز نساء عجائز كثيرة يستعلمن أحوال النساء لمن يعشقن أو يعشقهن، بأسمائهن وأسماء من يتعرض لهن، فمن وجد منهن كذلك أطفأها وأهلكها، ثم إنه أكثر من الدوران بنفسه ليلا ونهارا في البلد، في طلب ذلك، وغرق خلقا من الرجال والنساء والصبيان ممن يطلع على فسقهم، فضاق الحال واشتد على النساء، وعلى الفساق ذلك، ولم يتمكن أحد منهن أن يصل إلى أحد إلا نادرا، حتى أن امرأة كانت عاشقة لرجل عشقا قويا كادت أن تهلك بسببه، لما حيل بينهما وبينه، فوقفت لقاضى القضاة وهو مالك بن سعد الفارقيّ وحلفته بحق الحاكم لما وقف لها واستمع كلامها،، فرحمها فوقف لها فبكت إليه بكاء شديدا مكرا وحيلة وخداعا، وقالت له: أيها القاضي إن لي أخا ليس لي غيره، وهو في السياق وإني أسألك بحق الحاكم عليك لما أوصلتنى إلى منزله، لأنظر إليه قبل أن يفارق الدنيا، وأجرك على الله. فرق لها القاضي رقة شديدة وأمر رجلين كانا معه يكونان معها حتى يبلغانها إلى المنزل الّذي تريده، فأغلقت بابها وأعطت المفتاح لجارتها، وذهبت معهما حتى وصلت إلى منزل معشوقها، فطرقت الباب ودخلت وقالت لهما: اذهبا هذا منزله فإذا رجل كانت تهواه ونحبه ويهواها ويحبها، فقال لها: كيف قدرت على الوصول إليّ؟ فأخبرته بما احتالت به من الحيلة على القاضي، فأعجبه ذلك من مكرها وحيلتها، وجاء زوجها من آخر النهار فوجد بابه مغلقا وليس في بيته أحد، فسأل الجيران عن أمرها فذكرت له جارتها ما صنعت فاستغاث على القاضي وذهب إليه وقال له: ما أريد امرأتي إلا منك الساعة، وإلا عرّفت الحاكم، فان امرأتي ليس لها أخ بالكلية، وإنما ذهبت إلى معشوقها، فخاف القاضي من معرّة هذا الأمر، فركب إلى الحاكم وبكى بين يديه، فسأله عن شأنه فأخبره بما اتفق له من الأمر مع المرأة، فأرسل الحاكم مع ذينك الرجلين من يحضر المرأة والرجل جميعا، على أي حال كانا عليه، فوجدهما متعانقين سكارى، فسألهما الحاكم عن أمرهما فأخذا يعتذران بما لا يجدي شيئا، فأمر بتحريق المرأة في بادية وضرب الرجل ضربا مبرحا حتى أتلفه، ثم ازداد احتياطا وشدة على النساء حتى جعلهن في أضيق من جحر ضب، ولا زال هذا دأبه حتى مات. ذكره ابن الجوزي.

وفي رجب منها ولى أبو الحسن أحمد بن أبى الشوارب قضاء الحضرة بعد موت أبى محمد الأكفاني. وفيها عمّر فخر الدولة مسجد الشرقية ونصب عليه الشبابيك من الحديد.