انتقل إلى المحتوى

البداية والنهاية (ط. السعادة)/ثم دخلت سنة خمسمائة من الهجرة

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
ملاحظات: القاهرة: مطبعة السعادة (1351 هـ)، الجزء 12، الصفحات ١٦٦–١٦٧
 

ثم دخلت سنة خمسمائة من الهجرة

قال أبو داود في سننه: حدثنا حجاج بن إبراهيم حدثنا ابن وهب حدثني معاوية بن صالح عن عبد الرحمن بن جبير عن أبيه عن أبى ثعلبة الخشنيّ قال قال رسول الله «لن يعجز الله هذه الأمة من نصف يوم».

حدثنا عمر وبن عثمان حدثنا أبو المغيرة حدثني صفوان عن شريح بن عبيد عن سعد ابن أبى وقاص عن النبي أنه قال: «إني لأرجو أن لا يعجز أمتى عند ربها أن يؤخرها نصف يوم. قيل لسعد: وكم نصف يوم؟ قال: خمسمائة سنة». وهذا من دلائل النبوة. وذكر هذه المدة لا ينفى زيادة عليها، كما هو الواقع، لأنه عليه السلام ذكر شيئا من أشراط الساعة لا بد من وقوعها كما أخبر سواء بسواء. وسيأتي ذكرها فيما بعد زماننا، وبالله المستعان.

ومما وقع في هذه السنة من الحوادث أن السلطان محمد بن ملك شاه حاصر قلاعا كثيرة من حصون الباطنية، فافتتح منها أماكن كثيرة، وقتل خلقا منهم، منها قلعة حصينة كان أبوه قد بناها بالقرب من أصبهان، في رأس جبل منيع هناك، وكان سبب بنائه لها أنه كان مرة في بعض صيوده فهرب منه كلب فاتبعه إلى رأس الجبل فوجده، وكان معه رجل من رسل الروم، فقال الرومي: لو كان هذا الجبل ببلادنا لاتخذنا عليه قلعة، فحدا هذا الكلام السلطان إلى أن ابتنى في رأسه قلعة أنفق عليها ألف ألف دينار، ومائتي ألف دينار، ثم استحوذ عليها بعد ذلك رجل من الباطنية يقال له أحمد بن عبد الله بن عطاء، فتعب المسلمون بسببها، فحاصرها ابنه السلطان محمد سنة حتى افتتحها، وسلخ هذا الرجل وحشى جلده تبنا وقطع رأسه، وطاف به في الأقاليم، ثم نقض هذه القلعة حجرا حجرا، وألقت امرأته نفسها من أعلى القلعة فتلفت، وهلك ما كان معها من الجواهر النفيسة، وكان الناس يتشاءمون بهذه القلعة، يقولون: كان دليلها كلبا، والمشير بها كافرا، والمتحصن بها زنديقا.

وفيها وقعت حروب كثيرة بين بنى خفاجة وبين بنى عبادة، فقهرت عبادة خفاجة وأخذت بثأرها المتقدم منها. وفيها استحوذ سيف الدولة صدقة على مدينة تكريت بعد قتال كثير. وفيها أرسل السلطان محمد الأمير جاولى سقاوو إلى الموصل وأقطعه إياها، فذهب فانتزعها من الأمير جكرمش بعد ما قاتله وهزم أصحابه وأسره، ثم قتله بعد ذلك وقد كان جكرمش من خيار الأمراء سيرة وعدلا وإحسانا، ثم أقبل قلج أرسلان بن قتلمش فحاصر الموصل فانتزعها من جاولى، فصار جاولى إلى الرحبة، فأخذها ثم أقبل إلى قتال قلج فكسره وألقى قلج نفسه في النهر الّذي للخابور فهلك. وفيها نشأت حروب بين الروم والفرنج فاقتتلوا قتالا عظيما ولله الحمد، وقتل من الفريقين طائفة كبيرة، ثم كانت الهزيمة على الفرنج ولله الحمد رب العالمين.