انتقل إلى المحتوى

البداية والنهاية (ط. السعادة)/ثم دخلت سنة ثنتين وعشرين ومائة/عبد الله أبو يحيى المعروف بالبطال

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
ملاحظات: القاهرة: مطبعة السعادة (1351 هـ)، الجزء 9، الصفحات ٣٣١–٣٣٤
 

عبد الله أبو يحيى المعروف بالبطال

كان ينزل أنطاكية، حكى عنه أبو مروان الأنطاكي، ثم روى باسناده أن عبد الملك بن مروان حين عقد لابنه مسلمة على غزو بلاد الروم، ولى على رؤساء أهل الجزيرة والشام البطال، وقال لابنه: سيره على طلائعك، وامره فليعس بالليل العسكر، فإنه أمين ثقة مقدام شجاع. وخرج معهم عبد الملك يشيعهم إلى باب دمشق. قال: فقدم مسلمة البطال على عشرة آلاف يكونون بين يديه ترسا من الروم أن يصلوا إلى جيش المسلمين. قال محمد بن عائذ الدمشقيّ: ثنا الوليد بن مسلمة حدثني أبو مروان - شيخ من أهل أنطاكية - قال: كنت أغازى مع البطال وقد أوطأ الروم ذلا، قال البطال فسألني بعض ولاة بنى أمية عن أعجب ما كان من أمرى في مغازي فيهم، فقلت له:

خرجت في سرية ليلا فدفعنا إلى قرية فقلت لأصحابى: ارخوا لجم خيلكم ولا تحركوا أحدا بقتل ولا بشيء حتى تستمكنوا من القرية ومن سكانها، ففعلوا وافترقوا في أزقتها، فدفعت في أناس من أصحابى إلى بيت يزهر سراجه، وإذا امرأة تسكت ابنها من بكائه، وهي تقول له: لتسكتن أو لأدفعنك إلى البطال يذهب بك، وانتشلته من سريره وقالت: خذه يا بطال، قال: فأخذته.

وروى محمد بن عائذ عن الوليد بن مسلم عن أبى مروان الأنطاكي عن البطال قال: انفردت مرة ليس معى أحد من الجند، وقد سمطت خلفي مخلاة فيها شعير، ومعى منديل فيه خبز وشواء، فبينا أنا أسير لعلى ألقى أحدا منفردا، أو أطلع على خبر، إذا أنا ببستان فيه بقول حسنة، فنزلت وأكلت من ذلك البقل بالخبز والشواء مع النقل، فأخذني إسهال عظيم قمت منه مرارا، فخفت أن أضعف من كثرة الاسهال، فركبت فرسي والاسهال مستمر على حاله، وجعلت أخشى إن أنا نزلت عن فرسي أن أضعف عن الركوب، وأفرط بى الاسهال في السير حتى خشيت أن أسقط من الضعف، فأخذت بعنان الفرس ونمت على وجهي لا أدرى أين يسير الفرس بى، فلم أشعر إلا بقرع نعاله على بلاط، فأرفع رأسي فإذا دير، وإذا قد خرج منه نسوة صحبة امرأة حسناء جميلة جدا، فجعلت تقول بلسانها: أنزلنه، فأنزلننى فغسلن عنى ثيابي وسرجي وفرسي، ووضعننى على سرير وعملن لي طعاما وشرابا، فمكثت يوما وليلة مستويا، ثم أقمت بقية ثلاثة أيام حتى ترد إلى حالي، فبينا أنا كذلك إذ أقبل البطريق وهو يريد أن يتزوجها، فأمرت بفرسي فحول وعلق على الباب الّذي أنا فيه، وإذا هو بطريق كبير فيهم، وهو إنما جاء لخطبتها، فأخبره من كان هنالك بأن هذا البيت فيه رجل وله فرس، فهم بالهجوم على فمنعته المرأة من ذلك، وأرسلت تقول له: إن فتح عليه الباب لم أقض حاجته، فثناه ذلك عن الهجوم على، وأقام البطريق إلى آخر النهار في ضيافتهم، ثم ركب فرسه وركب معه أصحابه وانطلق. قال البطال: فنهضت في أثرهم فهمت أن تمنعني خوفا على منهم فلم أقبل، وسقت حتى لحقتهم، فحملت عليه فانفرج عنه أصحابه، وأراد الفرار فألحقه فأضرب عنقه واستلبته وأخذت رأسه مسمطا على فرسي، ورجعت إلى الدير، فخرجن إلى ووقفن بين يدي، فقلت: اركبن، فركبن ما هنالك من الدواب وسقت بهن حتى أتيت أمير الجيش فدفعتهن إليه، فنفلنى ما شئت منهن، فأخذت تلك المرأة الحسناء بعينها، فهي أم أولادي. والبطريق في لغة الروم عبارة عن الأمير الكبير فيهم، وكان أبوها بطريقا كبيرا فيهم - يعنى تلك المرأة - وكان البطال بعد ذلك يكاتب أباها ويهاديه.

وذكر أن عبد الملك بن مروان لما ولاه المصيصة بعث البطال سرية إلى أرض الروم، فغاب عنه خبرها فلم يدر ما صنعوا، فركب بنفسه وحده على فرس له وسار حتى وصل عمّورية، فطرق بابها ليلا فقال له البواب: من هذا؟ قال البطال: فقلت أنا سياف الملك ورسوله إلى البطريق، فأخذ لي طريقا إليه، فلما دخلت عليه إذا هو جالس على سرير فجلست معه على السرير إلى جانبه، ثم قلت له: إني قد جئتك في رسالة فمر هؤلاء فلينصرفوا، فأمر من عنده فذهبوا، قال: ثم قام فأغلق باب الكنيسة على وعليه، ثم جاء فجلس مكانه، فاخترطت سيفي وضربت به رأسه صفحا وقلت له: أنا البطال فأصدقنى عن السرية التي أرسلتها إلى بلادك وإلا ضربت عنقك الساعة، فأخبرني ما خبرها، فقال: هم في بلادي ينتهبون ما تهيأ لهم، وهذا كتاب قد جاءني يخبر أنهم في وادي كذا وكذا، والله لقد صدقتك. فقلت: هات الأمان، فأعطانى الأمان، فقلت: ايتني بطعام، فأمر أصحابه فجاءوا بطعام فوضع لي، فأكلت فقمت لأنصرف فقال لأصحابه: اخرجوا بين يدي رسول الملك، فانطلقوا يتعادون بين يدي، وانطلقت إلى ذلك الوادي الّذي ذكر فإذا أصحابى هنالك، فأخذتهم ورجعت إلى المصيصة. فهذا أغرب ما جرى قال الوليد: وأخبرنى بعض شيوخنا أنه رأى البطال وهو قافل من حجته، وكان قد شغل بالجهاد عن الحج، وكان يسأل الله دائما الحج ثم الشهادة، فلم يتمكن من حجة الإسلام إلا في السنة التي استشهد فيها رحمه الله تعالى، وكان سبب شهادته أن ليون ملك الروم خرج من القسطنطينية في مائة ألف فارس، فبعث البطريق - الّذي البطال متزوج بابنته التي ذكرنا أمرها - إلى البطال يخبره بذلك، فأخبر البطال أمير عساكر المسلمين بذلك، وكان الأمير مالك بن شبيب، وقال له: المصلحة تقتضي أن نتحصن في مدينة حران، فنكون بها حتى يقدم علينا سليمان بن هشام في الجيوش الإسلامية، فأبى عليه ذلك ودهمهم الجيش، فاقتتلوا قتالا شديدا والأبطال تحوم بين يدي البطال ولا يتجاسر أحد أن ينوه باسمه خوفا عليه من الروم، فاتفق أن ناداه بعضهم وذكر اسمه غلطا منه، فلما سمع ذلك فرسان الروم حملوا عليه حملة واحدة، فاقتلعوه من سرجه برماحهم فألقوه إلى الأرض، ورأى الناس يقتلون ويأسرون، وقتل الأمير الكبير مالك بن شبيب، وانكسر المسلمون وانطلقوا إلى تلك المدينة الخراب فتحصنوا فيها، وأصبح اليون فوقف على مكان المعركة فإذا البطال بآخر رمق فقال له ليون: ما هذا يا أبا يحيى؟ فقال: هكذا تقتل الأبطال، فاستدعى ليون بالأطباء ليداووه فإذا جراحة قد وصلت إلى مقاتله، فقال له ليون: هل من حاجة يا أبا يحيى؟ قال: نعم، فأمر من معك من المسلمين أن يلوا غسلي والصلاة على ودفنى، ففعل الملك ذلك وأطلق لأجل ذلك أولئك الأسارى، وانطلق ليون إلى جيش المسلمين الذين تحصنوا فحاصرهم، فبينما هم في تلك الشدة والحصار إذ جاءتهم البرد بقدوم سليمان بن هشام في الجيوش الإسلامية، ففر ليون في جيشه الخبيث هاربا راجعا إلى بلاده، قبحه الله، فدخل القسطنطينية وتحصن بها. قال خليفة بن خياط: كانت وفاة البطال ومقتله بأرض الروم في سنة إحدى وعشرين ومائة، وقال ابن جرير: في سنة ثنتين وعشرين ومائة، وقال ابن حسان الزيادي: قتل في سنة ثلاث عشرة ومائة، قيل وقد قاله غيره وإنه قتل هو والأمير عبد الوهاب بن بخت في سنة ثلاث عشرة ومائة كما ذكرنا ذلك فالله أعلم، ولكن ابن جرير لم يؤرخ وفاته إلا في هذه السنة فالله أعلم.

قلت: فهذا ملخص ابن عساكر في ترجمة البطال مع تفصيله للاخبار واطلاعه عليها، وأما ما يذكره العامة عن البطال من السيرة المنسوبة الى دلهمة والبطال والأمير عبد الوهاب والقاضي عقبة، فكذب وافتراء ووضع بارد، وجهل وتخبط فاحش، لا يروج ذلك إلا على غبي أو جاهل ردى. كما يروج عليهم سيرة عنترة العبسيّ المكذوبة، وكذلك سيرة البكري والدنف وغير ذلك، والكذب المفتعل في سيرة البكري أشد إثما وأعظم جرما من غيرها، لأن واضعها يدخل في

قول النبي :

«من كذب على متعمدا فليتبوَّأ مقعده من النار».