انتقل إلى المحتوى

البداية والنهاية (ط. السعادة)/ثم دخلت سنة ثنتين وثمانين ومائة/والقاضي أبو يوسف

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
ملاحظات: القاهرة: مطبعة السعادة (1351 هـ)، الجزء 10، الصفحات ١٨٠–١٨٢
 

والقاضي أبو يوسف

واسمه يعقوب بن إبراهيم بن حبيب بن سعد بن حسنة، وهي أمه، وأبوه بجير بن معاوية، استصغر يوم أحد، وأبو يوسف كان أكبر أصحاب أبى حنيفة، روى الحديث عن الأعمش وهمام ابن عروة ومحمد بن إسحاق ويحيى بن سعيد وغيرهم. وعنه محمد بن الحسن وأحمد بن حنبل ويحيى ابن معين. قال على بن الجعد: سمعته يقول: توفى أبى وأنا صغير فأسلمتني أمى إلى قصار فكنت أمر على حلقة أبى حنيفة فأجلس فيها، فكانت أمى تتبعني فتأخذ بيدي من الحلقة وتذهب بى إلى القصار، ثم كنت أخالفها في ذلك وأذهب إلى أبى حنيفة، فلما طال ذلك عليها قالت لأبى حنيفة:

إن هذا صبي يتيم ليس له شيء إلا ما أطعمه من مغزلى، وإنك قد أفسدته على. فقال لها: اسكتي يا رعناء، ها هو ذا يتعلم العلم وسيأكل الفالوذج بدهن الفستق في صحون الفيروزج. فقالت له: إنك شيخ قد خرفت. قال أبو يوسف: فلما وليت القضاء - وكان أول من ولاه القضاء الهادي وهو أول من لقب قاضى القضاة، وكان يقال له: قاضى قضاة الدنيا، لأنه كان يستنيب في سائر الأقاليم التي يحكم فيها الخليفة -. قال أبو يوسف: فبينا أنا ذات يوم عند الرشيد إذ أتي بفالوذج في صحن فيروزج فقال لي: كل من هذا، فإنه لا يصنع لنا في كل وقت. وقلت: وما هذا يا أمير المؤمنين؟ فقال: هذا الفالوذج. قال فتبسمت فقال: ما لك تتبسم؟ فقلت: لا شيء أبقى الله أمير المؤمنين.

فقال: لتخبرني. فقصصت عليه القصة فقال: إن العلم ينفع ويرفع في الدنيا والآخرة. ثم قال:

رحم الله أبا حنيفة، فلقد كان ينظر بعين عقله ما لا ينظر بعين رأسه. وكان أبو حنيفة يقول عن أبى يوسف: إنه أعلم أصحابه. وقال المزني: كان أبو يوسف أتبعهم للحديث. وقال ابن المديني: كان صدوقا. وقال ابن معين: كان ثقة. وقال أبو زرعة: كان سليما من التجهم. وقال بشار الخفاف: سمعت أبا يوسف يقول: من قال القرآن مخلوق فحرام كلامه، وفرض مباينته، ولا يجوز السلام ولا رده عليه. ومن كلامه الّذي ينبغي كتابته بماء الذهب قوله: من طلب المال بالكيمياء أفلس، ومن تتبع غرائب الحديث كذب، ومن طلب العلم بالكلام تزندق. ولما تناظر هو ومالك بالمدينة بحضرة الرشيد في مسألة الصاع وزكاة الخضراوات احتج مالك بما استدعى به من تلك الصيعان المنقولة عن آبائهم وأسلافهم، وبأنه لم يكن الخضراوات يخرج فيها شيء في زمن الخلفاء الراشدين. فقال أبو يوسف: لو رأى صاحبي ما رأيت لرجع كما رجعت. وهذا انصاف منه.

وقد كان يحضر في مجلس حكمه العلماء على طبقاتهم، حتى إن أحمد بن حنبل كان شابا وكان يحضر مجلسه في أثناء الناس فيتناظرون ويتباحثون، وهو مع ذلك يحكم ويصنف أيضا. وقال:

وليت هذا الحكم وأرجو الله أن لا يسألنى عن جور ولا ميل إلى أحمد، إلا يوما واحدا جاءني رجل فذكر أن له بستانا وأنه في يد أمير المؤمنين، فدخلت إلى أمير المؤمنين فأعلمته فقال: البستان لي اشتراه لي المهدي. فقلت: إن رأى أمير المؤمنين أن يحضره لأسمع دعواه. فأحضره فادعى بالبستان فقلت: ما تقول يا أمير المؤمنين؟ فقال: هو بستاني. فقلت للرجل: قد سمعت ما أجاب.

فقال الرجل: يحلف، فقلت، أتحلف يا أمير المؤمنين؟ فقال: لا، فقلت سأعرض عليك اليمين ثلاثا فان حلفت وإلا حكمت عليك يا أمير المؤمنين. فعرضتها عليه ثلاثا فامتنع فحكمت بالبستان للمدعى. قال: فكنت في أثناء الخصومة أود أن ينفصل ولم يمكني أن أجلس الرجل مع الخليفة.

وبعث القاضي أبو يوسف في تسليم البستان إلى الرجل.

وروى المعافى بن زكريا الجريريّ عن محمد بن أبى الأزهر عن حماد بن أبى إسحاق عن أبيه عن بشر بن الوليد عن أبى يوسف. قال: بينا أنا ذات ليلة قد نمت في الفراش، إذا رسول الخليفة يطرق الباب، فخرجت منزعجا فقال: أمير المؤمنين يدعوك، فذهبت فإذا هو جالس ومعه عيسى ابن جعفر فقال لي الرشيد: إن هذا قد طلبت منه جارية يهبن يها فلم يفعل، أو يبيعنيها، وإني أشهدك إن لم يجبني إلى ذلك قتلته. فقلت لعيسى: لم لم تفعل؟ فقال: إني حالف بالطلاق والعتاق وصدقة مالي كله أن لا أبيعها ولا أهبها. فقال لي الرشيد: فهل له من مخلص؟ فقلت: نعم يبيعك نصفها ويهبك نصفها. فوهبه النصف وباعه النصف بمائة ألف دينار، فقبل منه ذلك وأحضرت الجارية، فلما رآها الرشيد قال: هل لي من سبيل عليها الليلة؟ قلت: إنها مملوكة ولا بد من استبرائها، إلا أن تعتقها وتتزوجها فان الحرة لا تستبرأ. قال فأعتقها وتزوجها منه بعشرين ألف دينار، وأمر لي بمائتي ألف درهم وعشرين تختا من ثياب، وأرسلت إليّ الجارية بعشرة آلاف دينار.

وقال يحيى بن معين: كنت عند أبى يوسف فجاءته هدية من ثياب ديبقي وطيب وفانيل ند وغير ذلك، فذاكرني رجل في إسناد حديث

«من أهديت له هدية وعنده قوم جلوس فهم شركاؤه» فقال أبو يوسف: إنما ذاك في الأقط والتمر والزبيب، ولم تكن الهدايا في ذلك الوقت ما ترون، يا غلام ارفع هذا إلى الخزائن، ولم يعطهم منها شيئا. وقال بشر بن غياث المريسي: سمعت أبا يوسف يقول:

صحبت أبا حنيفة سبع عشرة سنة ثم انصبت على الدنيا سبع عشرة سنة، وما أظن أجلى إلا أن اقترب. فما مكث بعد ذلك إلا شهورا حتى مات. وقد مات أبو يوسف في ربيع الأول من هذه السنة عن سبع وستين سنة، ومكث في القضاء بعده ولده يوسف. وقد كان نائبة على الجانب الشرقي من بغداد. ومن زعم من الرواة أن الشافعيّ اجتمع بأبي يوسف كما يقوله عبد الله بن محمد البلوى الكذاب في الرحلة التي ساقها الشافعيّ فقد أخطأ في ذلك، إنما ورد [الشافعيّ] بغداد في أول قدمة قدمها إليها في سنة أربع وثمانين. وإنما اجتمع الشافعيّ بمحمد بن الحسن الشيباني فأحسن إليه وأقبل عليه، ولم يكن بينهما شنئان كما يذكره بعض من لا خبرة له في هذا الشأن والله أعلم. وفيها توفى: