انتقل إلى المحتوى

البداية والنهاية (ط. السعادة)/ثم دخلت سنة ثنتين وثمانين/جميل بن عبد الله

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
​البداية والنهاية​ (1351 هـ)
 المؤلف ابن كثير الدمشقي
جميل بن عبد الله
ملاحظات: القاهرة: مطبعة السعادة (1351 هـ)، الجزء 9، الصفحات ٤٤–٤٥
 

جميل بن عبد الله

ابن معمر بن صباح بن ظبيان بن الحسن بن ربيعة بن حرام بن ضبة بن عبيد بن كثير بن عذرة بن سعد بن هذيم بن زيد بن ليث بن سرهد بن أسلم بن الحاف بن قضاعة. أبو عمرو الشاعر صاحب بثينة، كان قد خطبها فمنعت منه، فتغزل فيها واشتهر بها، وكان أحد عشاق العرب، كانت إقامته بوادي القرى، وكان عفيفا حييا دينا شاعرا إسلاميا، من أفصح الشعراء في زمانه، وكان كثير عزة راويته، وهو يروى عن هدبة بن خثرم عن الحطيئة عن زهير بن أبى سلمى، وابنه كعب، قال كثير عزة كان جميل أشعر العرب حيث يقول: -

وأخبرتمانى أن تيماء منزل
لليلى إذا ما الصيف ألقى المراسيا
فهذه شهور الصيف عنا قد انقضت
فما للنوى ترمى بليلى المراميا

ومنها قوله

وما زلت بى يابثن حتى لو اننى
من الشوق أستبكى الحمام بكى ليا
وما زادني الواشون إلا صبابة
ولا كثرة الناهين إلا تماديا
وما أحدث النأى المفرق بيننا
سلوّا ولا طول اجتماع تقاليا
ألم تعلمي يا عذبة الريق أننى
أظل إذا لم ألق وجهك صاديا
لقد خفت أن ألقى المنية بغتة
وفي النفس حاجات إليك كما هيا

وله أيضا

إني لأحفظ غيبكم ويسرني
لو تعلمين بصالح أن تذكري

إلى أن قال

ما أنت والوعد الّذي تعديننى
إلا كبرق سحابة لم تمطر

وقوله وروى لعمرو:

ما زلت أبغي الحىّ أتبع فلهم
حتى دفعت إلى ربيبة هودج

ابن أبى ربيعة.

فدنوت مختفيا ألمّ ببيتها
حتى ولجت إلى خفي المولج

فيما نقله ابن عساكر

قالت وعيش أخى ونعمة والدي
لأنبهن الحي إن لم تخرج
فتناولت رأسي لتعرف مسه
بمخضب الاطراف غير مشنج
فخرجت خيفة أهلها فتبسمت
فعلمت أن يمينها لم تحرج
فلثمت فاها آخذا بقرونها
فرشفت ريقا باردا متثلج

قال كثير عزة: لقيني جميل بثينة فقال: من أين أقبلت؟ فقلت: من عنده هذه الحبيبة، فقال وإلى أين؟ فقلت: وإلى هذه الحبيبة - يعنى عزة - فقال: أقسمت عليك لما رجعت إلى بثينة فواعدتها لي فان لي من أول الصيف ما رأيتها، وكان آخر عهدي بها بوادي القرى، وهي تغسل هي وأمها ثوبا فتحادثنا إلى الغروب، قال كثير: فرجعت حتى أنخت بهم. فقال أبو بثينة: ما ردك يا ابن أخى؟ فقلت: أبيات قلتها فرجعت لأعرضها عليك. فقال: وما هي؟ فأنشدته وبثينة تسمع من وراء الحجاب: -

فقلت لها يا عز أرسل صاحبي
إليك رسولا والرسول موكل
بأن تجعلي بيني وبينك موعدا
وأن تأمرينى ما الّذي فيه أفعل
وآخر عهدي منك يوم لقيتني
بأسفل وادي الدوم والثوب يغسل

فلما كان الليل أقبلت بثينة إلى المكان الّذي واعدته إليه، وجاء جميل وكنت معهم فما رأيت ليلة أعجب منها ولا أحسن منادمات، وانفض ذلك المجلس وما أدرى أيهما أفهم لما في ضمير صاحبه منه.

وذكر الزبير بن بكار عن عباس بن سهل الساعدي أنه دخل على جميل وهو يموت فقال له:

ما تقول في رجل لم يشرب الخمر قط، ولم يزن قط، ولم يسرق ولم يقتل النفس وهو يشهد أن لا إله إلا الله؟ قال: أظنه قد نجا وأرجو له الجنة، فمن هذا؟ قال: أنا، فقلت الله: ما أظنك سلمت وأنت تشبب بالنساء منذ عشرين سنة، ببثينة. فقال: لا نالتنى شفاعة محمد ، وإني لفي أول يوم من أيام الآخرة وآخر يوم من أيام الدنيا إن كنت وضعت يدي عليها بريبة، قال: فما برحنا حتى مات. قلت: كانت وفاته بمصر لأنه كان قد قدم على عبد العزيز بن مروان فأكرمه وسأله عن حبه بثينة فقال: شديدا، واستنشده من أشعاره ومدائحه فأنشده فوعده أن يجمع بينه وبينها فعاجلته المنية في سنة ثنتين وثمانين رحمه الله آمين.

وقد ذكر الأصمعي عن رجل أن جميلا قال له: هل أنت مبلغ عنى رسالة إلى حي بثينة ولك ما عندي؟ قال نعم! قال: إذا أنامت فاركب ناقتي والبس حلتى هذه وأمره أن يقول أبياتا منها قوله

قومي بثينة فاندبى بعويل
وابكى خليلا دون كل خليل

فلما انتهى إلى حيهم أنشد الأبيات فخرجت بثينة كأنها بدرسرى في جنة وهي تتثنى في مرطها فقالت له: ويحك إن كنت صادقا فقد قتلتني، وإن كنت كاذبا فقد فضحتني. فقلت: بلى والله صادق وهذه حلته وناقته، فلما تحققت ذلك أنشدت أبياتا ترثيه بها وتتأسف عليه فيها، وأنه لا يطيب لها العيش بعده، ولا خير لها في الحياة بعد فقده، ثم ماتت من ساعتها: قال الرجل: فما رأيت أكثر باكيا ولا باكية من يومئذ.

وروى ابن عساكر عنه أنه قيل له بدمشق: لو تركت الشعر وحفظت القرآن؟

فقال: هذا أنس بن مالك يخبرني عن رسول الله أنه قال: «إن من الشعر لحكمة»