انتقل إلى المحتوى

البداية والنهاية (ط. السعادة)/ثم دخلت سنة ثنتين وثلاثين وثلاثمائة

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
ملاحظات: القاهرة: مطبعة السعادة (1351 هـ)، الجزء 11، الصفحات ٢٠٧–٢٠٩
 

ثم دخلت سنة ثنتين وثلاثين وثلاثمائة

فيها خرج المتقى أمير المؤمنين من بغداد إلى الموصل مغاضبا لتورون، وهو إذ ذاك بواسط، وقد زوج ابنته من أبى عبد الله البريدي، وصارا يدا واحدة على الخليفة. وأرسل ابن شير زاد في ثلاثمائة إلى بغداد فأفسد فيها وقطع ووصل، واستقل بالأمر من غير مراجعة المتقى. فغضب المتقى وخرج منها مغاضبا له بأهله وأولاده ووزيره ومن اتبعه من الأمراء، قاصدا الموصل إلى بنى حمدان، فتلقاه سيف الدولة إلى تكريت، ثم جاءه ناصر الدولة وهو بتكريت أيضا، وحين خرج المتقى من بغداد أكثر ابن شيرزاد فيها الفساد، وظلم أهلها وصادرهم، وأرسل يعلم تورون، فأقبل مسرعا نحو تكريت فتواقع هو وسيف الدولة فهزم تورون سيف الدولة وأخذ معسكره ومعسكر أخيه ناصر الدولة ثم كر إليه سيف الدولة فهزمه تورون أيضا، وانهزم المتقى وناصر الدولة وسيف الدولة من الموصل إلى نصيبين وجاء تورون فدخل الموصل وأرسل إلى الخليفة يطلب رضاه، فأرسل الخليفة يقول: لا سبيل إلى ذلك إلا أن تصالح بنى حمدان، فاصطلحوا، وضمن ناصر الدولة بلاد الموصل بثلاثة آلاف ألف وستمائة ألف، ورجع تورون إلى بغداد وأقام الخليفة عند بنى حمدان. وفي غيبة تورون هذه عن واسط أقبل إليها معز الدولة بن بويه في خلق من الديلم كثيرين، فانحدر تورون مسرعا إلى واسط فاقتتل مع معز الدولة بضعة عشر يوما، وكان آخر الأمر أن انهزم معز الدولة ونهبت حواصله، وقتل من جيشه خلق كثير، وأسر جماعة من أشراف أصحابه. ثم عاود تورون ما كان يعتريه من مرض الصرع فشغل بنفسه فرجع إلى بغداد.

وفيها قتل أبو عبد الله البريدي أخاه أبا يوسف، وكان سبب ذلك أن البريدي قلّ ما في يده من الأموال، فكان يستقرض من أخيه أبى يوسف فيقرضه القليل، ثم يشنع عليه ويذم تصرفه بمال الجند، إلى أن مال الجند إلى أبى يوسف وأعرض غالبهم عن البريدي، فخشي أن يبايعوه فأرسل إليه طائفة من غلمانه فقتلوه غيلة، ثم انتقل إلى داره وأخذ جميع حواصله وأمواله، فكان قيمة ما أخذ منه من الأموال ما يقارب ثلاثمائة ألف ألف دينار. ولم يمتع بعده إلا ثمانية أشهر مرض فيها مرضا شديدا بالحمى الحادة، حتى كانت وفاته في شوال من هذه السنة، فقام مقامه أخوه أبو الحسين قبحه الله فأساء السيرة في أصحابه، فثاروا عليه فلجأ إلى القرامطة قبحهم الله فاستجار بهم فقام بالأمر من بعده أبو القاسم بن أبى عبد الله البريدي في بلاد واسط والبصرة وتلك النواحي ومن الأهواز وغيرها.

وأما الخليفة المتقى لله فإنه لما أقام عند أولاد حمدان بالموصل ظهر له منهم تضجر، وأنهم يرغبون في مفارقته. فكتب إلى تورون في الصلح فاجتمع تورون مع القضاة والأعيان وقرءوا كتاب الخليفة وقابله بالسمع والطاعة، وحلف له ووضع خطه بالإقرار له ولمن معه بالإكرام والاحترام، فكان من الخليفة ودخوله إلى بغداد ما سيأتي في السنة الآتية.

وفيها أقبلت طائفة من الروس في البحر إلى نواحي أذربيجان فقصدوا بردعة فحاصروها، فلما ظفروا بأهلها قتلوهم عن آخرهم، وغنموا أموالهم وسبوا من استحسنوا من نسائهم، ثم مالوا إلى المراغة، فوجدوا بها ثمارا كثيرة، فأكلوا منها فأصابهم وباء شديد فمات أكثرهم، وكان إذا مات أحدهم دفنوا معه ثيابه وسلاحه، فأخذه المسلمون وأقبل إليهم المرزبان بن محمد فقتل منهم. وفي ربيع الأول منها جاء الدمستق ملك الروم إلى رأس العين في ثمانين ألفا فدخلها ونهب ما فيها وقتل وسبي منهم نحوا من خمسة عشر ألفا، وأقام بها ثلاثة أيام، فقصدته الأعراب من كل وجه فقاتلوه قتالا عظيما حتى انجلى عنها. وفي جمادى الأولى منها غلت الأسعار ببغداد جدا وكثرت الأمطار حتى تهدم البناء، ومات كثير من الناس تحت الهدم، وتعطلت أكثر الحمامات والمساجد من قلة الناس ونقصت قيمة العقار حتى بيع منه بالدرهم ما كان يساوى الدينار، وخلت الدور. وكان الدلالون يعطون من يسكنها أجرة ليحفظها من الداخلين إليها ليخربوها. وكثرت الكبسات من اللصوص بالليل، حتى كان الناس يتحارسون بالبوقات والطبول، وكثرت الفتن من كل جهة ف ﴿إِنّا لِلّهِ وَإِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ﴾، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا.

وفي رمضان منها كانت وفاة أبى طاهر سليمان بن أبى سعيد الحسن الجنابي الهجريّ القرمطى. رئيس القرامطة، قبحه الله، وهذا هو الّذي قتل الحجيج حول الكعبة وفي جوفها، وسلبها كسوتها وأخذ بابها وحليتها، واقتلع الحجر الأسود من موضعه وأخذه معه إلى بلده هجر، فمكث عنده من سنة تسع عشرة وثلاثمائة ثم مات قبحه الله وهو عندهم لم يردوه إلى سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة كما سيأتي.

ولما مات هذا القرمطى قام بالأمر من بعده إخوته الثلاثة، وهم أبو العباس الفضل، وأبو القاسم سعيد، وأبو يعقوب يوسف بنو أبى سعيد الجنابي، وكان أبو العباس ضعيف البدن مقبلا على قراءة الكتب، وكان أبو يعقوب مقبلا على اللهو واللعب، ومع هذا كانت كلمة الثلاثة واحدة لا يختلفون في شيء، وكان لهم سبعة من الوزراء متفقون أيضا.

وفي شوال منها توفى أبو عبد الله البريدي فاستراح المسلمون من هذا كما استراحوا من الآخر.