انتقل إلى المحتوى

البداية والنهاية (ط. السعادة)/ثم دخلت سنة ثنتين وثلاثين وأربعمائة

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
ملاحظات: القاهرة: مطبعة السعادة (1351 هـ)، الجزء 12، الصفحات ٤٨–٤٩
 

ثم دخلت سنة ثنتين وثلاثين وأربعمائة

فيها عظم شأن السلجوقية، وارتفع شأن ملكهم طغرلبك، وأخيه داود، وهما ابنا ميكائيل بن سلجوق بن بغاق، وقد كأن جدهم بغاق هذا من مشايخ الترك القدماء، الذين لهم رأى ومكيدة ومكانة عند ملكهم الأعظم، ونشأ ولده سلجوق نجيبا شهما، فقدمه الملك ولقبه شباسى، فأطاعته الجيوش وانقاد له الناس بحيث تخوف منه الملك وأراد قتله، فهرب منه إلى بلاد المسلمين، فأسلم فازداد عزا وعلوا، ثم توفى عن مائة وسبع سنين، وخلف أرسلان وميكائيل وموسى، فأما ميكائيل فإنه اعتنى بقتال الكفار من الأتراك، حتى قتل شهيدا، وخلف ولديه طغرلبك محمد، وجعفر بك داود، فعظم شأنهما في بنى عمهما، واجتمع عليهما الترك من المؤمنين، وهم ترك الايمان الذين يقول لهم الناس تركمان، وهم السلاجقة بنو سلجوق جدهم هذا، فأخذوا بلاد خراسان بكمالها بعد موت محمود بن سبكتكين، وقد كان يتخوف منهم محمود بعض التخوف، فلما مات وقام ولده مسعود بعده قاتلهم وقاتلوه مرارا، فكانوا يهزمونه في أكثر المواقف، واستكمل لهم ملك خراسان بأسرها، ثم قصدهم مسعود في جنود يضيق بهم الفضاء فكسروه، وكبسه مرة داود فانهزم مسعود فاستحوذ على حواصله وخيامه، وجلس على سريره، وفرق الغنائم على جيشه، ومكث جيشه على خيولهم لا ينزلون عنها ثلاثة أيام، خوفا من دهمة العدو، وبمثل هذا تم لهم ما راموه، وكمل لهم جميع ما أملوه، ثم كان من سعادتهم أن الملك مسعود توجه نحو بلاد الهند لسبى بها وترك مع ولده مودود جيشا كثيفا بسبب قتال السلاجقة، فلما عبر الجسر الّذي على سيحون نهبت جنوده حواصله، واجتمعوا على أخيه محمد بن محمود، وخلعوا مسعودا فرجع إليهم مسعود فقاتلهم فهزموه وأسروه، فقال له أخوه: والله لست بقاتلك على شر صنيعك إلى، ولكن اختر لنفسك أي بلد تكون فيه أنت وعيالك، فاختار قلعة كبرى، وكان بها، ثم إن الملك محمدا أخا مسعود جعل لولده الأمر من بعده، وبايع الجيش له، وكان ولده اسمه أحمد، وكان فيه هرج، فاتفق هو ويوسف بن سبكتكين على قتل مسعود ليصفو لهم الأمر، ويتم لهم الملك، فسار إليه أحمد من غير علم أبيه فقتله، فلما علم أبوه بذلك غاظه وعتب على ابنه عتبا شديدا، وبعث إلى ابن أخيه يعتذر إليه ويقسم له أنه لم يعلم بذلك، حتى كان ما كان. فكتب إليه مودود بن مسعود: رزق الله ولدك المعتوه عقلا يعيش به، فقد ارتكب أمرا عظيما، وقدم على إراقة دم مثل والدي الّذي لقبه أمير المؤمنين بسيد الملوك والسلاطين، وستعلمون أي حيف تورطتم، وأي شر تأبطتم ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ ثم سار إليهم في جنود فقاتلهم فقهرهم وأسرهم، فقتل عمه محمدا وابنه أحمد وبنى عمه كلهم، إلا عبد الرحمن وخلقا من رءوس أمرائهم، وابتنى قرية هنالك وسماها فتح آباذ، ثم سار إلى غزنة فدخلها في شعبان، فأظهر العدل وسلك سيرة جده محمود، فأطاعه الناس، وكتب إليه أصحاب الأطراف بالانقياد والاتباع والطاعة، غير أنه أهلك قومه بيده، وهذا من جملة سعادة السلاجقة.

وفيها اختلف أولاد حماد على العزيز باديس صاحب إفريقية، فسار إليهم فحاصرهم قريبا من سنتين، ووقع بإفريقية في هذه السنة غلاء شديد بسبب تأخر المطر، ووقع ببغداد فتنة عظيمة بين الروافض والسنة من أهل الكرخ، وأهل باب البصرة، فقتل بينهم خلق كثير من الفريقين. ولم يحج أحد من أهل العراق وخراسان.