انتقل إلى المحتوى

البداية والنهاية (ط. السعادة)/ثم دخلت سنة ثمان وسبعين ومائتين/وهذه ترجمة أبى أحمد الموفق

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
ملاحظات: القاهرة: مطبعة السعادة (1351 هـ)، الجزء 11، الصفحات ٦٣–٦٤
 

وهذه ترجمة أبى أحمد الموفق

هو الأمير الناصر لدين الله، ويقال له الموفق، ويقال له طلحة بن المتوكل على الله جعفر بن محمد المعتصم بن هارون الرشيد، كان مولده في يوم الأربعاء لليلتين خلتا من ربيع الأول سنة تسع وعشرين ومائتين، وكان أخوه المعتمد حين صارت الخلافة إليه قد عهد إليه بالولاية بعد أخيه جعفر، ولقبه الموفق بالله، ثم لما قتل صاحب الزنج وكسر جيشه تلقب بناصر دين الله، وصار إليه العقد والحل والولاية والعزل، وإليه يجبى الخراج، وكان يخطب له على المنابر، فيقال: اللهمّ أصلح الأمير الناصر لدين الله أبا أحمد الموفق بالله ولى عهد المسلمين أخا أمير المؤمنين. ثم اتفق موته قبل أخيه المعتمد بستة أشهر، وكان غزير العقل حسن التدبير يجلس للمظالم وعنده القضاة فينصف المظلوم من الظالم وكان عالما بالأدب والنسب والفقه وسياسة الملك وغير ذلك، وله محاسن ومآثر كثيرة جدا وكان سبب موته أنه أصابه مرض النقرس في السفر فقدم إلى بغداد وهو عليل منه فاستقر في داره في أوائل صفر وقد تزايد به المرض وتورمت رجله حتى عظمت جدا، وكان يوضع له الأشياء المبردة كالثلج ونحوه، وكان يحمل على سريره، يحمله أربعون رجلا بالنوبة، كل نوبة عشرون. فقال لهم ذات يوم: ما أظنكم إلا قد مللتم منى فيا ليتني كواحد منكم آكل كما تأكلون، وأشرب كما تشربون، وأرقد كما ترقدون في عافية. وقال أيضا: في ديواني مائة ألف مرتزق ليس فيهم أحد أسوأ حالا منى.

ثم كانت وفاته في القصر الحسيني ليلة الخميس لثمان بقين من صفر. قال ابن الجوزي: وله سبع وأربعون سنة تنقص شهرا وأياما. ولما توفى اجتمع الأمراء على أخذ البيعة من بعده إلى ولده أبى العباس أحمد، فبايع له المعتمد بولاية العهد من بعد أبيه، وخطب له على المنابر. وجعل إليه ما كان لأبيه من الولاية والعزل والقطع والوصل، ولقب المعتضد بالله.

وفيها توفى إدريس بن سليم الفقعسي الموصلي. قال ابن الأثير: كان كثير الحديث والصلاح.

وإسحاق بن كنداج نائب الجزيرة، كان من ذوى الرأى، وقام بما كان إليه ولده محمد. ويا زمان نائب طرسوس جاءه حجر منجنيق من بلدة كان محاصرها ببلاد الروم فمات منه في رجب من هذه السنة ودفن بطرسوس، فولى نيابة الثغر بعده أحمد الجعيفى بأمر خمارويه بن أحمد بن طولون، ثم عزله عن قريب بابن عمه موسى بن طولون. وفيها توفى عبده بن عبد الرحيم قبحه الله. ذكر ابن الجوزي أن هذا الشقي كان من المجاهدين كثيرا في بلاد الروم، فلما كان في بعض الغزوات والمسلمون محاصرو بلدة من بلاد الروم إذ نظر إلى امرأة من نساء الروم في ذلك الحصن فهويها فراسلها ما السبيل إلى الوصول إليك؟ فقالت أن تتنصر وتصعد إلى، فأجابها إلى ذلك، فما راع المسلمين إلا وهو عندها، فاغتم المسلمون بسبب ذلك غما شديدا، وشق عليهم مشقة عظيمة، فلما كان بعد مدة مروا عليه وهو مع تلك المرأة في ذلك الحصن فقالوا: يا فلان ما فعل قرآنك؟ ما فعل علمك؟ ما فعل صيامك؟ ما فعل جهادك؟ ما فعلت صلاتك؟ فقال: اعلموا أنى أنسيت القرآن كله إلا قوله ﴿رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ * ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ وقد صار لي فيهم مال وولد