البداية والنهاية (ط. السعادة)/ثم دخلت سنة ثمان وخمسين ومائة/وهذه ترجمة المنصور
وهذه ترجمة المنصور
هو عبد الله بن محمد بن على بن عبد الله بن عباس بن عبد المطلب بن هاشم أبو جعفر المنصور.
وكان أكبر من أخيه أبى العباس السفاح، وأمه أم ولد اسمها سلامة. روى عن جده عن ابن عباس «أن رسول الله ﷺ كان يتختم في يمينه» أورده ابن عساكر من طريق محمد بن إبراهيم السلمي عن المأمون عن الرشيد عن المهدي عن أبيه المنصور به، بويع له بالخلافة بعد أخيه في ذي الحجة سنة ست وثلاثين ومائة، وعمره يومئذ إحدى وأربعون سنة، لأنه ولد في سنة خمس وتسعين على المشهور في صفر منها بالحمية من بلاد البلقاء، وكانت خلافته ثنتين وعشرين سنة إلا أياما، وكان أسمر اللون موفر اللمة خفيف اللحية، رحب الجبهة، أقنى الأنف، أعين كأن عينيه لسانان ناطقان، يخالطه أبهة الملك، وتقبله القلوب، وتتبعه العيون، يعرف الشرف في مواضعه، والعنف في صورته، والليث في مشيته، هكذا وصفه بعض من رآه. وقد صح عن ابن عباس أنه قال:
«منا السفاح والمنصور» وفي رواية «حتى نسلمها إلى عيسى بن مريم». وقد روى مرفوعا ولا يصح ولا وقفه أيضا. وذكر الخطيب أن أمه سلامة قالت: رأيت حين حملت به كأنه خرج منى أسد فزأر واقفا على يديه، فما بقي أسد حتى جاء فسجد له. وقد رأى المنصور في صغره مناما غريبا كان يقول: ينبغي أن يكتب في ألواح الذهب، ويعلق في أعناق الصبيان. قال: رأيت كأنى في المسجد الحرام وإذا رسول الله ﷺ في الكعبة والناس مجتمعون حولها، فخرج من عنده مناد:
أين عبد الله؟ فقام أخى السفاح يتخطى الرجال حتى جاء باب الكعبة فأخذ بيده فأدخله إياها، فما لبث أن خرج ومعه لواء أسود. ثم نودي أين عبد الله؟ فقمت أنا وعمى عبد الله بن على نستبق، فسبقته إلى باب الكعبة فدخلتها، فإذا رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر وبلال، فعقد لي لواء وأوصاني بأمته وعممني عمامة كورها ثلاثة وعشرون كورا، وقال: «خذها إليك أبا الخلفاء إلى يوم القيامة».
وقد اتفق سجن المنصور في أيام بنى أمية فاجتمع به نوبخت المنجم وتوسم فيه الرئاسة فقال له:
ممن تكون؟ فقال: من بنى العباس، فلما عرف منه نسبه وكنيته قال: أنت الخليفة الّذي تلى الأرض. فقال له: ويحك ماذا تقول؟ فقال: هو ما أقول لك، فضع لي خطك في هذه الرقعة أن تعطيني شيئا إذا وليت. فكتب له، فلما أولى أكرمه المنصور وأعطاه وأسلم نوبخت على يديه، وكان قبل ذلك مجوسيا. ثم كان من أخص أصحاب المنصور. وقد حج المنصور بالناس سنة أربعين ومائة، وأحرم من الحيرة، وفي سنة أربع وأربعين، وفي سنة سبع وأربعين. وفي سنة ثنتين وخمسين، ثم في هذه السنة التي مات فيه. وبنى بغداد والرصافة والرافقة وقصره الخلد.
قال الربيع بن يونس الحاجب: سمعت المنصور يقول: الخلفاء أربعة: أبو بكر وعمر وعثمان وعلى. والملوك أربعة معاوية وعبد الملك بن مروان وهشام بن عبد الملك، وأنا. وقال مالك:
قال لي المنصور: من أفضل الناس بعد رسول الله ﷺ؟ فقلت: أبو بكر. وعمر. فقال: أصبت وذلك رأى أمير المؤمنين. وعن إسماعيل البهري قال سمعت المنصور على منبر عرفة يوم عرفة يقول: أيها الناس؟ إنما أنا سلطان الله في أرضه، أسوسكم بتوفيقه ورشده، وخازنه على ماله أقسمه بإرادته وأعطيه باذنه، وقد جعلني الله عليه قفلا فان شاء أن يفتحنى لأعطياتكم وقسم أرزاقكم فتحني، وإذا شاء أن يقفلنى عليه قفلنى. فارغبوا إلى الله أيها الناس وسلوه في هذا اليوم الشريف الّذي وهبكم فيه من فضله ما أعلمكم به في كتابه، إذ يقول: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً﴾. أن يوفقني للصواب ويسددني للرشاد ويلهمني الرأفة بكم والإحسان إليكم ويفتحنى لاعطياتكم وقسم أرزاقكم بالعدل عليكم، فإنه سميع مجيب.
وقد خطب يوما فاعترضه رجل وهو يثنى على الله عز وجل، فقال: يا أمير المؤمنين اذكر من أنت ذاكره، واتّق الله فيما تأتيه وتذره. فسكت المنصور حتى انتهى كلام الرجل فقال: أعوذ بالله أن أكون من قال الله عز وجل فيه ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُ اِتَّقِ اللهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ﴾ أو أن أكون جبارا عصيا، أيها الناس! إن الموعظة علينا نزلت ومن عندنا نبتت. ثم قال للرجل: ما أظنك في مقالتك هذه تريد وجه الله، وإنما أردت أن يقال عنك وعظ أمير المؤمنين، أيها الناس لا يغرنكم هذا فتفعلوا كفعله ثم أمر به فاحتفظ به وعاد إلى خطبته فأكملها، ثم قال لمن هو عنده: أعرض عليه الدنيا فان قبلها فأعلمني، وإن ردها فأعلمني، فما زال به الرجل الّذي هو عنده حتى أخذ المال ومال إلى الدنيا فولاه الحسبة والمظالم وأدخله على الخليفة في بزة حسنة، وثياب وشارة وهيئة دنيوية، فقال له الخليفة: ويحك! لو كنت محقا مريدا وجه الله بما قلت على رءوس الناس لما قبلت شيئا مما أرى، ولكن أردت أن يقال عنك إنك وعظت أمير المؤمنين، وخرجت عليه، ثم أمر به فضربت عنقه. وقد قال المنصور لابنه المهدي: إن الخليفة لا يصلحه إلاّ التقوى، والسلطان لا يصلحه إلا الطاعة. والرعية لا يصلحها إلا العدل، وأولى الناس بالعفو أقدرهم على العقوبة، وأنقص الناس عقلا من ظلم من هو دونه. وقال أيضا: يا بنى استدم النعمة بالشكر، والقدرة بالعفو، والطاعة بالتأليف، والنصر بالتواضع والرحمة للناس، ولا تنس نصيبك من الدنيا ونصيبك من رحمة الله.
وحضر عنده مبارك بن فضالة يوما وقد أمر برجل أن يضرب عنقه وأحضر النطع والسيف،
فقال له مبارك: سمعت الحسين يقول قال رسول الله ﷺ: «إذا كان يوم القيامة نادى مناد ليقم من كان أجره على الله فلا يقوم إلا من عفا» فأمر بالعفو عن ذلك الرجل. ثم أخذ يعدد على جلسائه عظيم جرائم ذلك الرجل وما صنعه. وقال الأصمعي: أتى المنصور برجل ليعاقبه فقال: يا أمير المؤمنين الانتقام عدل والعفو فضل، وتعوذ أمير المؤمنين بالله أن يرضى لنفسه بأوكس النصيبين، وأدنى القسمين، دون أرفع الدرجتين. قال فعفا عنه.
وقال الأصمعي: قال المنصور لرجل من أهل الشام: احمد الله يا أعرابى الّذي دفع عنكم الطاعون بولايتنا. فقال إن الله لا يجمع علينا حشفا وسوء كيل، ولايتكم والطاعون. والحكايات في ذكر حلمه وعفوه كثيرة جدا. [ودخل بعض الزهاد على المنصور فقال: إن الله أعطاك الدنيا بأسرها فاشتر نفسك ببعضها، واذكر ليلة تبيت في القبر لم تبت قبلها ليلة، واذكر ليلة تمخض عن] [يوم لا ليلة بعده. قال: فأفحم المنصور قوله وأمر له بمال فقال: لو احتجت إلى مالك لما وعظتك] [١] ودخل عمرو بن عبيد القدري على المنصور فأكرمه وعظمه وقربه وسأله عن أهله وعياله، ثم قال له:
عظني. فقرأ عليه سورة الفجر إلى ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ﴾ فبكى المنصور بكاء شديدا حتى كأنه لم يسمع بهذه الآيات قبل ذلك، ثم قال له: زدني. فقال: إن الله قد أعطاك الدنيا بأسرها فاشتر نفسك ببعضها، وإن هذا الأمر كان لمن قبلك ثم صار إليك ثم هو صائر لمن بعدك، واذكر ليلة تسفر عن يوم القيامة. فبكى المنصور أشد من بكائه الأول حتى اختلفت أجفانه. فقال له سليمان بن مجالد:
رفقا بأمير المؤمنين. فقال عمرو: وماذا على أمير المؤمنين أن يبكى من خشية الله عز وجل. ثم أمر له المنصور بعشرة آلاف درهم فقال: لا حاجة لي فيها. فقال المنصور: والله لتأخذنها. فقال: والله لا آخذنها. فقال له المهدي وهو جالس في سواده وسيفه إلى جانب أبيه: أيحلف أمير المؤمنين وتحلف أنت؟ فالتفت إلى المنصور فقال: ومن هذا؟ فقال: هذا ابني محمد ولى العهد من بعدي.
فقال عمرو: إنك سميته اسما لم يستحقه لعمله، وألبسته لبوسا ما هو لبوس الأبرار، ولقد مهدت له أمرا أمتع ما يكون به أشغل ما يكون عنه. ثم التفت إلى المهدي فقال: يا ابن أخى! إذا حلف أبوك وحلف عمك فلأن يحنث أبوك أيسر من أن يحنث عمك، لأن أباك أقدر على الكفارة من عمك. ثم قال المنصور: يا أبا عثمان هل من حاجة؟ قال: نعم! قال: وما هي؟ قال: لا تبعث إلى حتى آتيك. ولا تعطني حتى أسألك. فقال المنصور: إذا والله لا نلتقي. فقال عمرو: عن حاجتي سألتني. فودعه وانصرف. فلما ولى أمده بصره وهو يقول:
ويقال إن عمرو بن عبيد أنشد المنصور قصيدة في موعظته إياه وهي قوله:
خليفة وقميص مرقوع؟ فقال: ويحك أما سمعت ما قال ابن هرمة
وقال بعض الزهاد للمنصور: اذكر ليلة تبيت في القبر لم تبت قبلها ليلة مثلها، واذكر ليلة تمخض عن يوم القيامة لا ليلة بعدها فأفحم المنصور قوله فأمر له بمال. فقال: لو احتجت إلى مالك ما وعظتك. ومن شعره لما عزم على قتل أبى مسلم:
ولما قتله ورآه طريحا بين يديه قال:
ومن شعره أيضا:
قالوا: وكان المنصور في أول النهار يتصدى للأمر بالمعروف والنهى عن المنكر والولايات والعزل والنظر في مصالح العامة، فإذا صلى الظهر دخل منزله واستراح إلى العصر، فإذا صلاها جلس لأهل بيته ونظر في مصالحهم الخاصة، فإذا صلى العشاء نظر في الكتب والرسائل الواردة من الآفاق، وجلس عنده من يسامره إلى ثلث الليل، ثم يقوم إلى أهله فينام في فراشه إلى الثلث الآخر، فيقوم إلى وضوئه وصلاته حتى يتفجر الصباح، ثم يخرج فيصلي بالناس، ثم يدخل فيجلس في إيوانه.
وقد ولى بعض العمال على بلد فبلغه أنه قد تصدى للصيد وأعد لذلك كلابا وبزاة، فكتب إليه ثكلتك أمك وعشيرتك، ويحك إنا إنما استكفيناك واستعملناك على أمور المسلمين، ولم نستكفك أمور الوحوش في البراري، فسلم ما تلى من عملنا إلى فلان والحق بأهلك ملوما مدحورا.
وأتى يومى بخارجى قد هزم جيوش المنصور غير مرة فلما وقف بين يديه قال له المنصور: ويحك يا ابن الفاعلة! مثلك يهزم الجيوش؟ فقال الخارجي: ويلك سوأة لك بيني وبينك أمس السيف والقتل واليوم القذف والسب، وما يؤمنك أن أرد عليك وقد يئست من الحياة فما أستقبلها أبدا. قال فاستحيى منه المنصور وأطلقه. فما رأى له وجها إلى الحول [وقال لابنه لما ولاه العهد: يا بنى ائتدم النعمة بالشكر، والقدرة بالعفو، والنصر بالتواضع، والتألف بالطاعة، ولا تنس نصيبك من الدنيا ونصيبك من رحمة الله] [٢] وقال أيضا: يا بنى ليس العاقل من يحتال للأمر الّذي وقع فيه حتى يخرج منه، ولكن العاقل الّذي يحتال للأمر الّذي غشيه حتى لا يقع فيه. وقال المنصور: يا بنى لا تجلس مجلسا إلا وعندك من أهل الحديث من يحدثك، فان الزهري قال: علم الحديث ذكر لا يحبه إلا ذكران الرجال، ولا يكرهه إلا مؤنثوهم، وصدق أخو زهرة. وقد كان المنصور في شبيبته يطلب العلم من مظانه والحديث والفقه فنال جانبا جيدا وطرفا صالحا، وقد قيل له يوما: يا أمير المؤمنين هل بقي شيء من اللذات لم تنله؟ قال: شيء واحد، قالوا: وما هو؟ قال: قول المحدث للشيخ من ذكرت رحمك الله. فاجتمع وزراؤه وكتابه وجلسوا حوله وقالوا: ليمل علينا أمير المؤمنين شيئا من الحديث، فقال: لستم بهم، إنما هو الدنسة ثيابهم، المشققة أرجلهم، الطويلة شعورهم، رواد الآفاق وقطاع المسافات، تارة بالعراق وتارة بالحجاز، وتارة بالشام، وتارة باليمن. فهؤلاء نقلة الحديث.
وقال يوما لابنه المهدي: كم عندك من دابة؟ فقال لا أدرى. فقال: هذا هو التقصير، فأنت لأمر الخلافة أشد تضييعا فاتق الله يا بنى. وقالت خالصة إحدى حظيات المهدي: دخلت يوما على المنصور وهو يشتكي ضرسه ويداه على صدغيه فقال لي: كم عندك من المال يا خالصة؟ فقلت ألف درهم. فقال: ضعى يدك على رأسي واحلفى، فقلت: عندي عشرة آلاف دينار. قال: اذهبي فاحمليها إلى قالت: فذهبت حتى دخلت على سيدي المهدي وهو مع زوجته الخيزران فشكوت ذلك إليه فوكزني برجله وقال: ويحك! إنه ليس به وجع ولكنى سألته بالأمس مالا فتمارض، وإنه لا يسعك إلا ما أمرك به. فذهبت إليه خالصة ومعها عشرة آلاف دينار، فاستدعى بالمهديّ فقال له: تشكو الحاجة وهذا كله عند خالصة؟ وقال المنصور لخازنة: إذا علمت بمجيء المهدي فائتنى بخلقان الثياب قبل أن يجيء، فجاء بها فوضعها بين يديه ودخل المهدي والمنصور يقلبها، فجعل المهدي يضحك، فقال: يا بنى من ليس له خلق ليس له جديد، وقد حضر الشتاء فنحتاج نعين العيال والولد. فقال المهدي: عليّ كسوة أمير المؤمنين وعياله، فقال: دونك فافعل.
وذكر ابن جرير عن الهيثم أن المنصور أطلق في يوم واحد لبعض أعمامه ألف ألف درهم. وفي هذا اليوم فرق في بيته عشرة آلاف درهم، ولا يعلم خليفة فرق مثل هذا في يوم واحد. وقرأ بعض القراء عند المنصور ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النّاسَ بِالْبُخْلِ﴾ فقال: والله لولا أن المال حصن للسلطان ودعامة للدين والدنيا وعزّهما ما بتّ ليلة واحدة وأنا أحرز منه دينارا ولا درهما لما أجد لبذل المال من اللذة، ولما أعلم في إعطائه من جزيل المثوبة. وقرأ عنده قارئ آخر ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ﴾ الآية. فقال: ما أحسن ما أدبنا ربنا عز وجل. وقال المنصور: سمعت أبى يقول سمعت على بن عبد الله يقول: سادة أهل الدنيا في الدنيا الأسخياء، وسادة أهل الآخرة في الآخرة الأتقياء.
ولما عزم المنصور على الحج في هذه السنة دعا ولده المهدي فأوصاه في خاصة نفسه وبأهل بيته وبسائر المسلمين خيرا، وعلمه كيف تفعل الأشياء وتسد الثغور، وأوصاه بوصايا يطول بسطها وحرج عليه أن لا يفتح شيئا من خزائن المسلمين حتى يتحقق وفاته فان بها من الأموال ما يكفى المسلمين لو لم يجب إليهم من الخراج درهم عشر سنين، وعهد إليه أن يقضى ما عليه من الدين وهو ثلاثمائة ألف دينار، فإنه لم ير قضاءها من بيت المال. فامتثل المهدي ذلك كله. وأحرم المنصور بحج وعمرة من الرصافة وساق بدنه وقال: يا بنى إني ولدت في ذي الحجة وقد وقع لي أن أموت في ذي الحجة، وهذا الّذي جرأنى على الحج عامي هذا. وودعه وسار واعتراه مرض الموت في أثناء الطريق فما دخل مكة إلا وهو ثقيل جدا، فلما كان بآخر منزل نزله دون مكة إذا في صدر منزله مكتوب:
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾.
فدعا بالحجبة فأقرأهم ذلك فلم يروا شيئا فعرف أن أجله قد نعى إليه. قالوا: ورأى المنصور في منامه ويقال بل هتف به هاتف وهو يقول: -
فقال المنصور: هذا أوان حضور أجلى وانقضاء عمري. وكان قد رأى قبل ذلك في قصره الخلد الّذي بناه وتأنق فيه مناما أفزعه فقال للربيع: ويحك يا ربيع! لقد رأيت مناما هالني، رأيت قائلا وقف في باب هذا القصر وهو يقول:
فما أقام في الخلد إلا أقل من سنة حتى مرض في طريق الحج، ودخل مكة مدنفا ثقيلا. وكانت وفاته ليلة السبت لست وقيل لسبع مضين من ذي الحجة، وكان آخر ما تكلم به أن قال: اللهمّ بارك لي في لقائك. وقيل: إنه قال يا رب إن كنت عصيتك في أمور كثيرة فقد أطعتك في أحب الأشياء إليك شهادة أن لا إله إلا الله مخلصا. ثم مات. وكان نقش خاتمه: الله ثقة عبد الله وبه يؤمن. وكان عمره يوم وفاته ثلاثا وستين سنة على المشهور، منها ثنتان وعشرون سنة خليفة. ودفن بباب المعلاة رحمه الله. قال ابن جرير: ومما رثى به قول سلم الخاسر الشاعر:
وقد دفن عند باب المعلاة بمكة ولا يعرف قبره لأنه أعمى قبره، فان الربيع الحاجب حفر مائة قبر ودفنه في غيره لئلا يعرف.