انتقل إلى المحتوى

البداية والنهاية (ط. السعادة)/ثم دخلت سنة ثمان وخمسين ومائة

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
ملاحظات: القاهرة: مطبعة السعادة (1351 هـ)، الجزء 10، الصفحات ١٢٠–١٢١
 

ثم دخلت سنة ثمان وخمسين ومائة

فيها تكامل بناء قصر المنصور المسمى بالخلد وسكنه أياما يسيرة ثم مات وتركه، وفيها مات طاغية الروم. وفيها وجه المنصور ابنه المهدي إلى الرقة وأمره بعزل موسى بن كعب عن الموصل، وأن يولى عليها خالد بن برمك، وكان ذلك بعد نكتة غريبة اتفقت ليحيى بن خالد، وذلك أن المنصور كان قد غضب على خالد بن برمك، وألزمه بحمل ثلاثة آلاف ألف، فضاق ذرعا بذلك، ولم يبق له مال ولا حال وعجز عن أكثرها، وقد أجله ثلاثة أيام، وأن يحمل ذلك في هذه الثلاثة الأيام وإلا فدمه هدر فجعل يرسل ابنه يحيى إلى أصحابه من الأمراء يستقرض منهم، فكان منهم من أعطاه مائة ألف، ومنهم أقل وأكثر. قال يحيى بن خالد: فبينا أنا ذات يوم من تلك الأيام الثلاثة على جسر بغداد، وأنا مهموم في تحصيل ما طلب منا مما لا طاقة لنا به، إذ وثب إلى زاجر من أولئك الذين يكونون عند الجسر من الطرقية، فقال لي: ابشر، فلم ألتفت إليه، فتقدم إلى حتى أخذ بلجام فرسي ثم قال لي: أنت مهموم، ليفرجن الله همك ولتمرن غدا في هذا الموضع واللواء بين يديك، فان كان ما قلت لك حقا فلي عليك خمسة آلاف. فقلت: نعم. ولو قال خمسون ألفا لقلت نعم، لبعد ذلك عندي. وذهبت لشأنى، وقد بقي علينا من الحمل ثلاثمائة ألف فورد الخبر إلى المنصور بانتقاض الموصل وانتشار الأكراد فيها، فاستشار المنصور الأمراء من يصلح للموصل؟ فأشار بعضهم بخالد بن برمك، فقال له المنصور: أو يصلح لذلك بعد ما فعلنا به؟ فقال: نعم! وأنا الضامن أنه يصلح لها، فأمر بإحضاره فولاه إياها ووضع عنه بقية ما كان عليه، وعقد له اللواء، وولى ابنه يحيى أذربيجان وخرج الناس في خدمتهما. قال يحيى: فمررنا بالجسر فثار لي ذلك الزاجر فطالبني بما وعدته به، فأمرت له به فقبض خمسة آلاف.

وفي هذه السنة خرج المنصور إلى الحج فساق الهدى معه، فلما جاوز الكوفة بمراحل أخذه وجه الّذي مات به وكان عنده سوء مزاج فاشتد عليه من شدة الحر وركوبه في الهواجر، وأخذه إسهال وأفرط به، فقوى مرضه، ودخل مكة فتوفى بها ليلة السبت لست مضين من ذي الحجة، وصلى عليه ودفن بكذا عند ثنية باب المعلاة التي بأعلى مكة، وكان عمره يومئذ ثلاثا وقيل أربعا وقيل خمسا وستين، وقيل إنه بلغ ثمانيا وستين سنة فالله أعلم. وقد كتم الربيع الحاجب موته حتى أخذ البيعة للمهدي من القوّاد ورءوس بنى هاشم، ثم دفن. وكان الّذي صلى عليه إبراهيم بن يحيى بن محمد بن على، وهو الّذي أقام للناس الحج في هذه السنة.