البداية والنهاية (ط. السعادة)/ثم دخلت سنة ثمان وخمسين وستمائة/الملك المظفر قطز بن عبد الله
الملك المظفر قطز بن عبد الله
سيف الدين التركي، أخص مماليك المعز التركماني، أحد مماليك الصالح أيوب بن الكامل.
لما قتل أستاذه المعز قام في تولية ولده نور الدين المنصور على، فلما سمع بأمر التتار خاف أن تختلف الكلمة لصغر ابن أستاذه فعزله ودعا إلى نفسه، فبويع في ذي القعدة سنة سبع وخمسين وستمائة كما تقدم، ثم سار إلى التتار فجعل الله على يديه نصرة الإسلام كما ذكرنا، وقد كان شجاعا بطلا كثير الخير ناصحا للإسلام وأهله، وكان الناس يحبونه ويدعون له كثيرا. ذكر عنه أنه لما كان يوم المعركة بعين جالوت قتل جواده ولم يجد أحدا في الساعة الراهنة من الوشاقية الذين معهم الجنائب، فترجل وبقي واقفا على الأرض ثابتا، والقتال عمال في المعركة، وهو في موضع السلطان من القلب، فلما رآه بعض الأمراء ترجل عن فرسه وحلف على السلطان ليركبنها فامتنع وقال لذلك الأمير:
ما كنت لأحرم المسلمين نفعك. ولم يزل كذلك حتى جاءته الوشاقية بالخيل فركب، فلامه بعض الأمراء وقال: يا خوند لم لا ركبت فرس فلان؟ فلو أن بعض الأعداء رآك لقتلك وهلك الإسلام بسببك، فقال: أما أنا فكنت أروح إلى الجنة، وأما الإسلام فله رب لا يضيعه، قد قتل فلان وفلان وفلان حتى عد خلقا من الملوك، فأقام للإسلام من يحفظه غيرهم، ولم يضيع الإسلام. رحمه الله وكان حين سار من مصر في خدمته خلق من كبار الأمراء البحرية وغيرهم، ومعه المنصور صاحب حماه وجماعة من أبناء الملوك. فأرسل إلى صاحب حماه يقول له لا تتعنى في مد سماط في هذه الأيام، وليكن مع الجندي لحمة يأكلها، والعجل العجل، وكان اجتماعه مع عدوه كما ذكرنا في العشر الأخير من رمضان يوم الجمعة، وهذه بشارة عظيمة، فان وقعة بدر كانت يوم الجمعة في رمضان، وكان فيها نصر الإسلام. ولما قدم دمشق في شوال أقام بها العدل ورتب الأمور، وأرسل بيبرس خلف التتار ليخرجهم ويطردهم عن حلب، ووعده بنيابتها فلم يف له لما رآه من المصلحة، فوقعت الوحشة بينهما بسبب ذلك، فلما عاد إلى مصر تمالأ عليه الأمراء مع بيبرس فقتلوه بين القرابى والصالحية ودفن بالقصر، وكان قبره يزار، فلما تمكن الظاهر من الملك بعث إلى قبره فغيبه عن الناس، وكان لا يعرف بعد ذلك، قتل يوم السبت سادس عشر من ذي القعدة رحمه الله.
وحكى الشيخ قطب الدين اليونينى في الذيل على المرآة عن الشيخ علاء الدين بن غانم عن المولى تاج الدين أحمد بن الأثير كاتب السر في أيام الناصر صاحب دمشق، قال: لما كنا مع الناصر بوطاه برزة جاءت البريدية بخبر أن قطز قد تولى الملك بمصر، فقرأت ذلك على السلطان، فقال:
أذهب إلى فلان وفلان فأخبرهم بهذا، قال فلما خرجت عنه لقيني بعض الأجناد فقال لي جاءكم الخبر من مصر بأن قطز قد تملك؟ فقلت: ما عندي من هذا علم وما يدريك أنت بهذا؟ فقال بلى والله سيلي المملكة ويكسر التتار، فقلت من أين تعلم هذا؟ فقال: كنت أخدمه وهو صغير وكان عليه قمل كثير فكنت أفليه وأهينه وأذمه، فقال لي يوما: ويلك أيش تريد أعطيك إذا ملكت الديار المصرية؟ فقلت له أنت مجنون؟ فقال لقد رأيت رسول الله ﷺ في المنام وقال لي أنت تملك الديار المصرية وتكسر التتار، وقول رسول الله ﷺ حق لا شك فيه، فقلت له حينئذ - وكان صادقا - أريد منك إمرة خمسين فارسا، فقال نعم أبشر. قال ابن الأثير: فلما قال لي هذا قلت له هذه كتب المصريين بأنه قد تولى السلطنة، فقال والله ليكسرن التتار، وكان كذلك، ولما رجع الناصر إلى ناحية الديار المصرية وأراد دخولها ورجع عنها ودخلها أكثر الجيوش الشامية كان هذا الأمير الحاكي في جملة من دخلها، فأعطاه المظفر إمرة خمسين فارسا، ووفى له بالوعد، وهو الأمير جمال الدين التركماني. قال ابن الأثير: فلقيني بمصر بعد أن تأمر فذكرني بما كان أخبرنى عن المظفر، فذكرته ثم كانت وقعة التتار على إثر ذلك فكسرهم وطردهم عن البلاد، وقد روى عنه أنه لما رأى عصائب التتار قال للأمراء والجيوش الذين معه: لا تقاتلوهم حتى تزول الشمس وتفيء الظلال وتهب الرياح، ويدعوا لنا الخطباء والناس في صلاتهم، رحمه الله تعالى.
وفيها هلك كتبغانوين نائب هولاكو على بلاد الشام لعنه الله، ومعنى نوين يعنى أمير عشرة آلاف، وكان هذا الخبيث قد فتح لأستاذه هولاكو من أقصى بلاد العجم إلى الشام، وقد أدرك جنكيزخان جد هولاكو، وكان كتبغا هذا يعتمد في حروبه للمسلمين أشياء لم يسبقه أحد إليها، كان إذا فتح بلدا ساق مقاتلة هذا البلد إلى البلد الآخر الّذي يليه، ويطلب من أهل ذلك البلد أن يؤووا هؤلاء إليهم، فان فعلوا حصل مقصوده في تضييق الأطعمة والأشربة عليهم، فتقصر مدة الحصار عليه لما ضاق على أهل البلد من أقواتهم، وإن امتنعوا من إيوائهم عندهم قاتلهم بأولئك المقاتلة الذين هم أهل البلد الّذي فتحه قبل ذلك، فان حصل الفتح وإلا كان قد أضعف أولئك بهؤلاء حتى يفنى تلك المقاتلة، فان حصل الفتح وإلا قاتلهم بجنده وأصحابه مع راحة أصحابه وتعب أهل البلد وضعفهم حتى يفتحهم سريعا. وكان يبعث إلى الحصن يقول: إن ماءكم قد قل فنخشى أن نأخذكم عنوة فنقتلكم عن آخركم ونسبي نساءكم وأولادكم فما بقاؤكم بعد ذهاب مائكم، فافتحوا صلحا قبل أن نأخذكم قسرا فيقولون له: إن الماء عندنا كثير فلا نحتاج إلى ماء. فيقول لا أصدق حتى أبعث من عندي من يشرف عليه فان كان كثيرا انصرفت عنكم، فيقولون: ابعث من يشرف عليه، فيرسل رجالا من جيشه معهم رماح مجوفة محشوة سما، فإذا دخلوا الحصن الّذي قد أعياه ساطوا ذلك الماء بتلك الرماح على أنهم يفتشونه ويعرفون قدره، فينفتح ذلك السم ويستقر في ذلك الماء فيكون سبب هلاكهم وهم لا يشعرون لعنه الله لعنة تدخل معه قبره. وكان شيخا كبيرا قد أسن وكان يميل إلى دين النصارى ولكن لا يمكنه الخروج من حكم جنكيزخان في الياساق.
قال الشيخ قطب الدين اليونينى: وقد رأيته ببعلبكّ حين حاصر قلعتها، وكان شيخا حسنا له لحية طويلة مسترسلة قد ضفرها مثل الدبوقة، وتارة يعلقها من خلفه باذنه، وكان مهيبا شديد السطوة، قال وقد دخل الجامع فصعد المنارة ليتأمل القلعة منها، ثم خرج من الباب الغربي فدخل دكانا خرابا فقضى حاجته والناس ينظرون إليه وهو مكشوف العورة، فلما فرغ من حاجته مسحه بعض أصحابه بقطن ملبد مسحة واحدة. قال ولما بلغه خروج المظفر بالعساكر من مصر تلوم في أمره وحار ماذا يفعل، ثم حملته نفسه الأبية على لقائه، وظن أنه منصور على جاري عادته، فحمل يومئذ على الميسرة فكسرها ثم أيد الله المسلمين وثبتهم في المعركة فحملوا حملة صادقة على التتار فهزموهم هزيمة لا تجبر أبدا، وقتل أميرهم كتبغانوين في المعركة وأسر ابنه، وكان شابا حسنا، فأحضر بين يدي المظفر قطز فقال له أهرب أبوك؟ قال إنه لا يهرب، فطلبوه فوجدوه بين القتلى، فلما رآه ابنه صرخ وبكى، فلما تحققه المظفر سجد لله تعالى ثم قال: أنام طيبا. كان هذا سعادة التتار وبقتله ذهب سعدهم، وهكذا كان كما قال ولم يفلحوا بعده أبدا، وكان قتله يوم الجمعة الخامس والعشرين من رمضان، وكان الّذي قتله الأمير آقوش الشمسى رحمه الله.