انتقل إلى المحتوى

البداية والنهاية (ط. السعادة)/ثم دخلت سنة ثمان وخمسين وستمائة/الشيخ محمد الفقيه اليونينى

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
ملاحظات: القاهرة: مطبعة السعادة (1351 هـ)، الجزء 13، الصفحات ٢٢٧–٢٢٩
 

الشيخ محمد الفقيه اليونينى

الحنبلي البعلبكي الحافظ، هو محمد بن أحمد بن عبد الله بن عيسى بن أبى الرجال أحمد بن على ابن محمد بن محمد بن محمد بن الحسين بن إسحاق بن جعفر الصادق، كذا نقل هذه النسبة الشيخ قطب الدين اليونينى من خط أخيه الأكبر أبى الحسين على وأخبره أن والده قال له نحن من سلالة جعفر الصادق، قال وإنما قال له هذا عند الموت ليتخرج من قبول الصدقات.

أبو عبد الله بن أبى الحسين اليونينى الحنبلي تقى الدين الفقيه الحنبلي الحافظ المفيد البارع العابد الناسك، ولد سنة ثنتين وسبعين وخمسمائة، وسمع الخشوعي وحنبلا والكندي والحافظ عبد الغنى وكان يثنى عليه، وتفقه على الموفق، ولزم الشيخ عبد الله اليونينى فانتفع به، وكان الشيخ عبد الله يثنى عليه ويقدمه ويقتدى به في الفتاوى، وقد لبس الخرقة من شيخ شيخه عبد الله البطائحي، وبرع في علم الحديث وحفظ الجمع بين الصحيحين بالفاء والواو، وحفظ قطعة صالحة من مسند أحمد، وكان يعرف العربية أخذها عن التاج الكندي، وكتب مليحا حسنا، وكان الناس ينتفعون بفنونه الكثيرة، ويأخذون عنه الطرق الحسنة، وقد حصلت له وجاهة عظيمة عند الملوك، توضأ مرة عند الملك الأشرف بالقلعة حال سماع البخاري على الزبيدي، فلما فرع من الوضوء نفض السلطان تخفيفته وبسطها على الأرض ليطأ عليها، وحلف السلطان له إنها طاهرة ولا بد أن يطأ برجليه عليها ففعل ذلك. وقدم الكامل على أخيه الأشرف دمشق فأنزله القلعة وتحول الأشرف لدار السعادة وجعل يذكر للكامل محاسن الشيخ الفقيه، فقال الكامل: أحب أن أراه، فأرسل إليه إلى بعلبكّ بطاقة واستحضره فوصل إلى دار السعادة، فنزل الكامل إليه وتحادثا وتذاكرا شيئا من العلم، فجرت مسألة القتل بالمثقل، وجرى ذكر حديث الجارية التي قتلها اليهودي فرض رأسها بين حجرين فأمر رسول الله بقتله، فقال الكامل: إنه لم يعترف. فقال الشيخ الفقيه في صحيح مسلم «فاعترف»، فقال الكامل أنا اختصرت صحيح مسلم ولم أجد هذا فيه، فأرسل الكامل فأحضر خمس مجلدات اختصاره لمسلم، فأخذ الكامل مجلدا والأشرف آخر وعماد الدين بن موسك آخر وأخذ الشيخ الفقيه مجلدا فأول ما فتحه وجد الحديث كما قال الشيخ الفقيه، فتعجب الكامل من استحضاره وسرعة كشفه، وأراد أن يأخذه معه إلى الديار المصرية فأرسله الأشرف سريعا إلى بعلبكّ، وقال للكامل: إنه لا يؤثر ببعلبكّ شيئا، فأرسل له الكامل ذهبا كثيرا، قال ولده قطب الدين: كان والدي يقبل بر الملوك ويقول أنا لي في بيت المال أكثر من هذا، ولا يقبل من الأمراء ولا من الوزراء شيئا إلا أن يكون هدية مأكول ونحوه، ويرسل إليهم من ذلك فيقبلونه على سبيل التبرك والاستشفاء.

وذكر أنه كثر ماله وأثرى، وصار له سعة من المال كثيرة، وذكر له أن الأشرف كتب له كتابا بقرية يونين وأعطاه لمحيى الدين بن الجوزي ليأخذ عليه خط الخليفة، فلما شعر والدي بذلك أخذ الكتاب ومزقه وقال: أنا في غنية عن ذلك، قال وكان والدي لا يقبل شيئا من الصدقة ويزعم أنه من ذرية على بن أبى طالب من جعفر الصادق بن محمد الباقر بن على بن الحسين بن على بن أبى طالب، قال وقد كان قبل ذلك فقيرا لا شيء له، وكان للشيخ عبد الله زوجة ولها ابنة جميلة، وكان الشيخ يقول لها: زوجيها من الشيخ محمد، فتقول إنه فقير وأنا أحب أن تكون ابنتي سعيدة، فيقول الشيخ عبد الله كأنى انظر إليهما إياه وإياها في دار فيها بركة وله رزق كثير والملوك يترددون إلى زيارته، فزوجتها منه فكان الأمر كذلك، وكانت أولى زوجاته رحمه الله تعالى.

وكانت الملوك كلهم يحترمونه ويعظمونه ويجيئون إلى مدينته، بنو العادل وغيرهم، وكذلك كان مشايخ الفقهاء كابن الصلاح، وابن عبد السلام، وابن الحاجب، والحصرى، وشمس الدين بن سنى الدولة، وابن الجوزي، وغيرهم يعظمونه ويرجعون إلى قوله لعلمه وعمله وديانته وأمانته. وقد ذكرت له أحوال ومكاشفات وكرامات كثيرة رحمه الله، وزعم بعضهم أنه قطب منذ ثنتى عشرة سنة فالله أعلم. وذكر الشيخ الفقيه قال عزمت مرة على الرحلة إلى حران، وكان قد بلغني أن رجلا بها يعلم علم الفرائض جيدا، فلما كانت الليلة التي أريد أن أسافر في صبيحتها جاءتني رسالة الشيخ عبد الله اليونينى يعزم على إلى القدس الشريف، وكأنى كرهت ذلك وفتحت المصحف فطلع قوله ﴿اِتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْئَلُكُمْ أَجْراً وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ فخرجت معه إلى القدس فوجدت ذلك الرجل الحراني بالقدس الشريف، فأخذت عنه علم الفرائض حتى خيل لي أنى صرت أبرع فيه منه. وقال الشيخ أبو شامة كان الشيخ الفقيه رجلا ضخما، وحصل له قبول من الأمراء وغيرهم، وكان يلبس قبعا صوفه إلى خارج كما كان شيخه الشيخ عبد الله اليونينى، قال وقد صنف شيئا في المعراج فرددت عليه في كتاب سميته الواضح الجلي في الرد على الحنبلي، وذكر ولده قطب الدين أنه مات في التاسع عشر من رمضان من هذه السنة عن ثمان وثمانين سنة رحمه الله تعالى.