انتقل إلى المحتوى

البداية والنهاية (ط. السعادة)/ثم دخلت سنة ثمان وثمانين وأربعمائة

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
ملاحظات: القاهرة: مطبعة السعادة (1351 هـ)، الجزء 12، الصفحات ١٤٨–١٤٩
 

ثم دخلت سنة ثمان وثمانين وأربعمائة

فيها قدم يوسف بن أبق التركماني من جهة تتش صاحب دمشق إلى بغداد لأجل إقامة الدعوى له ببغداد، وكان تتش قد توجه لقتال أخيه بناحية الري، فلما دخل رسوله بغداد هابوه وخافوه واستدعاه الخليفة فقربه وقبل الأرض بين يدي الخليفة، وتأهب أهل بغداد له، وخافوا أن ينهبهم، فبينما هو كذلك إذ قدم عليه رسول أخيه فأخبره أن تتش قتل في أول من قتل في الوقعة، وكانت وفاته في سابع عشر صفر من هذه السنة، فاستفحل أمر بركيارق، واستقل بالأمور. وكان دقاق بن تتش مع أبيه حين قتل، فسار إلى دمشق فملكها، وكان نائب أبيه عليها الأمير ساوتكين، واستوزر أبا القاسم الخوارزمي، وملك عبد الله بن تتش مدينة حلب، ودبر أمر مملكته جناح الدولة ابن اتكين، ورضوان بن تتش صاحب مدينة حماه، وإليه تنسب بنو رضوان بها. وفي يوم الجمعة التاسع عشر من ربيع الأول منها خطب لولى العهد أبى المنصور الفضل بن المستظهر، ولقب بذخيرة الدين. وفي ربيع الآخر خرج الوزير ابن جهير فاختط سورا على الحريم، وأذن للعوام في العمل والتفرج فأظهروا منكرات كثيرة، وسخافات عقول ضعيفة، وعملوا أشياء منكرة، فبعث إليه ابن عقيل رقعة فيها كلام غليظ، وإنكار بغيض. وفي رمضان خرج السلطان بركيارق فعدا عليه فداوى، فلم يتمكن منه، فمسك فعوقب فأقر على آخرين فلم يقرا فقتل الثلاثة. وجاء الطواشى من جهة الخليفة مهنئا له بالسلامة. وفي ذي القعدة منها خرج أبو حامد الغزالي من بغداد متوجها إلى بيت المقدس تاركا لتدريس النظامية، زاهدا في الدنيا، لابسا خشن الثياب بعد ناعمها، وناب عنه أخوه في التدريس ثم حج في السنة التالية ثم رجع إلى بلده، وقد صنف كتاب الإحياء في هذه المدة، وكان يجتمع إليه الخلق الكثير كل يوم في الرباط فيسمعونه. وفي يوم عرفة خلع على القاضي أبى الفرج عبد الرحمن بن هبة الله بن البستي، ولقب بشرف القضاة، ورد إلى ولاية القضاء بالحريم وغيره. وفيها اصطلح أهل الكرخ من الرافضة والسنة مع بقية المحال، وتزاوروا وتواصلوا وتواكلوا، وكان هذا من العجائب، وفيها قتل أحمد بن خاقان صاحب سمرقند، وسببه أنه شهد عليه بالزندقة فخنق وولى مكانه ابن عمه مسعود. وفيها دخل الأتراك إفريقية وغدروا بيحيى بن تميم بن المعز بن باديس، وقبضوا عليه، وملكوا بلاده وقتلوا خلقا، بعد ما جرت بينه وبينهم حروب شديدة، وكان مقدمهم رجل يقال له شاه ملك، وكان من أولاد بعض أمراء المشرق، فقدم مصر وخدم بها ثم هرب إلى المغرب، ومعه جماعة ففعل ما ذكر. ولم يحج أحد من أهل العراق فيها.