انتقل إلى المحتوى

البداية والنهاية (ط. السعادة)/ثم دخلت سنة ثمان وثلاثين

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
ملاحظات: القاهرة: مطبعة السعادة (1351 هـ)، الجزء 7، الصفحات ٣١٢–٣١٦

​

ثم دخلت سنة ثمان وثلاثين

فيها بعث معاوية عمرو بن العاص إلى ديار مصر فأخذها من محمد بن أبى بكر واستناب معاوية عمرا عليها، وذلك كما سنبينه، وقد كان على رضي الله عنه استناب عليها قيس بن سعد بن عبادة وانتزعها من يد محمد بن أبى حذيفة حين كان استحوذ عليها ومنع عبد الله بن سعد بن أبى سرح من التصرف فيها، حين حصر عثمان - وقد كان عثمان استخلفه عليها وعزل عنها عمرو بن العاص - وعمرو كان هو الّذي افتتحها كما قدمنا ذكر ذلك. ثم إن عليا عزل قيس بن سعد عنها وولى عليها محمد بن أبى بكر وقد ندم على على عزل قيس بن سعد عنها، وذلك أنه كان كفوا لمعاوية وعمرو، ولما ولى محمد بن أبى بكر لم يكن فيه قوة تعادل معاوية وعمرا، وحين عزل قيس بن سعد عنها رجع إلى المدينة ثم سار إلى على بالعراق فكان معه، وكان معاوية يقول: والله لقيس بن سعد عند على أبغض إلى من مائة ألف مقاتل بدله عنده، فشهد معه صفين فلما فرغ على من صفين وبلغه أن أهل مصر قد استخفوا بمحمد بن أبى بكر لكونه شاب ابن ست وعشرين سنة أو نحو ذلك عزم على رد مصر إلى قيس بن سعد وكان قد جعله على شرطته أو إلى الأشتر النخعي وقد كان نائبة على الموصل ونصيبين، فكتب إليه بعد صفين فاستقدمه عليه ثم ولاه مصر، فلما بلغ معاوية تولية على للأشتر النخعي ديار مصر بدل محمد بن أبى بكر عظم ذلك عليه، وذلك أنه كان قد طمع في مصر واستنزاعها من يد محمد ابن أبى بكر، وعلم أن الأشتر سيمنعها منه لحزمه وشجاعته، فلما سار الأشتر إليها وانتهى إلى القلزم استقبله الخانسار وهو مقدم على الخراج فقدم إليه طعاما وسقاه شرابا من عسل فمات منه، فلما بلغ ذلك معاوية وعمرا، وأهل الشام قالوا: إن لله جنودا من عسل. وقد ذكر ابن جرير في تاريخه أن معاوية كان قد تقدم إلى هذا الرجل في أن يحتال على الأشتر ليقتله ووعده على ذلك بأمور ففعل ذلك، وفي هذا نظر، وبتقدير صحته فمعاوية يستجيز قتل الأشتر لأنه من قتلة عثمان رضي الله عنه.

والمقصود أن معاوية وأهل الشام فرحوا فرحا شديدا بموت الأشتر النخعي، ولما بلغ ذلك عليا ​تأسف على شجاعته وغنائه، وكتب إلى محمد بن أبى بكر باستقراره واستمراره بديار مصر، غير أنه ضعف جأشه مع ما كان فيه من الخلاف عليه من العثمانية الذين ببلد خربتا وقد كانوا استفحل أمرهم حين انصرف على من صفين، وحين كان من أمر التحكيم ما كان، وحين نكل أهل العراق عن قتال أهل الشام، وقد كان أهل الشام حين انقضت الحكومة بدومة الجندل سلموا على معاوية بالخلافة وقوى أمرهم جدا، فعند ذلك جمع معاوية أمراءه عمرو بن العاص، وشرحبيل بن السمط وعبد الرحمن ابن خالد بن الوليد، والضحاك بن قيس، وبسر بن أبى أرطاة، وأبا الأعور السلمي، وحمزة بن سنان الهمدانيّ وغيرهم، فاستشارهم في المسير إلى ديار مصر فاستجابوا له وقالوا: سر حيث شئت فنحن معك، وعين معاوية نيابتها لعمرو بن العاص إذا فتحها ففرح بذلك عمرو بن العاص، ثم قال عمرو لمعاوية: أرى أن تبعث إليهم رجالا مع رجل مأمون عارف بالحرب، فان بها جماعة ممن يوالي عثمان فيساعدونه على حرب من خالفهم، فقال معاوية: لكن أرى أن أبعث إلى شيعتنا ممن هنالك كتابا يعلمهم بقدومهم عليهم، ونبعث إلى مخالفينا كتابا ندعوهم فيه إلى الصلح. وقال معاوية: إنك يا عمرو رجل بورك لك في العجلة وإني امرؤ بورك لي في التؤدة، فقال عمرو: افعل ما أراك الله، فو الله ما أمرك وأمرهم الا سيصير إلى الحرب العوان، فكتب عند ذلك معاوية إلى مسلمة بن مخلد الأنصاري، وإلى معاوية بن خديج السكونيّ - وهما رئيسا العثمانية ببلاد مصر ممن لم يبايع عليا ولم يأتمر بأمر نوابه بمصر في نحو من عشرة آلاف - يخبرهم بقدوم الجيش عليهم سريعا، وبعث به مع مولى له يقال له سبيع، فلما وصل الكتاب إلى مسلمة ومعاوية بن خديج فرحا به وردا جوابه بالاستبشار والمعاونة والمناصرة له ولمن يبعثه من الجيوش والجند والمدد إن شاء الله تعالى، فعند ذلك جهز معاوية عمرو بن العاص في ستة آلاف، وخرج معاوية مودعا وأوصاه بتقوى الله والرّفق والمهل والتؤدة، وإن يقتل من قاتل ويعفو عمن أدبر، وأن يدعو الناس إلى الصلح والجماعة، فإذا أنت ظهرت فليكن أنصارك آثر الناس عندك، فسار عمرو بن العاص إلى مصر، فلما قدمها اجتمعت عليه العثمانية فقادهم، وكتب عمرو بن العاص إلى محمد بن أبى بكر: أما بعد فتنح فانى لا أحب أن يصيبك منى ظفر، فان الناس قد اجتمعوا بهذه البلاد على خلافك ورفض أمرك، وندموا على اتباعك، فهم مسلموك لو قد التقت حلقتا البطان، فاخرج منها فانى لك لمن الناصحين والسلام. وبعث إليه عمرو أيضا بكتاب معاوية إليه: أما بعد فان غب البغي والظلم عظيم الوبال، وإن سفك الدم الحرام لا يسلم صاحبه من النقمة في الدنيا والتبعة الموبقة في الآخرة وإنا لا نعلم أحدا كان أشد خلافا على عثمان منك حين تطعن بمشاقصك بين حشاشته وأوداجه، ثم إنك تظن أنى عنك نائم أو ناس ذلك لك، حتى تأتى فتأمر على بلاد أنت بها جاري وجل أهلها أنصارى وقد بعثت إليك بجيوش يتقربون إلى الله ​بجهادك ولن يسلمك الله من القصاص أينما كنت والسلام. قال: فطوى محمد بن أبى بكر الكتابين وبعث بهما إلى على وأعلمه بقدوم عمرو إلى مصر في جيش من قبل معاوية، فان كانت لك بأرض مصر حاجة فابعث إلى بأموال ورجال والسلام. فكتب إليه يأمره بالصبر وبمجاهدة العدو، وأنه سيبعث إليه الرجال والأموال، ويمده بما أمكنه من الجيوش. وكتب محمد بن أبى بكر كتابا إلى معاوية في جواب ما قال وفيه غلظة، وكذلك كتب إلى عمرو بن العاص وفيه كلام غليظ وقام محمد ابن أبى بكر في الناس فخطبهم وحثهم على الجهاد ومناجزة من قصدهم من أهل الشام، وتقدم عمرو ابن العاص إلى مصر في جيوشه، ومن لحق به من العثمانية المصريين، والجميع في قريب من ستة عشر ألفا، وركب محمد بن أبى بكر في ألفى فارس الذين انتدبوا معه من المصريين وقدم على جيشه بين يديه كنانة بن بشر فجعل لا يلقاه أحد من الشاميين إلا قاتلهم حتى يلحقهم مغلوبين إلى عمرو ابن العاص، فبعث عمرو بن العاص إليه معاوية بن خديج فجاءه من ورائه وأقبل إليه الشاميون حتى أحاطوا به من كل جانب، فترجل عند ذلك كنانة وهو يتلو ﴿وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاّ بِإِذْنِ اللهِ كِتاباً مُؤَجَّلاً﴾ الآية، ثم قاتل حتى قتل وتفرق أصحاب محمد بن أبى بكر عنه ورجع يمشى فرأى خربة فآوى إليها ودخل عمرو بن العاص فسطاط مصر وذهب معاوية بن خديج في طلب محمد بن أبى بكر فمر بعلوج في الطريق فقال لهم: هل مر بكم أحد تستنكرونه؟ قالوا: لا! فقال رجل منهم:

إني رأيت رجلا جالسا في هذه الخربة، فقال: هو هو ورب الكعبة: فدخلوا عليه فاستخرجوه منها - وقد كاد يموت عطشا - فانطلق أخوه عبد الرحمن بن أبى بكر إلى عمرو بن العاص - وكان قد قدم معه إلى مصر - فقال: أيقتل أخى صبرا؟ فبعث عمرو بن العاص إلى معاوية بن خديج أن يأتيه بمحمد بن أبى بكر ولا يقتله فقال معاوية: كلا والله، أيقتلون كنانة بن بشر وأترك محمد بن أبى بكر، وقد كان ممن قتل عثمان وقد سألهم عثمان الماء، وقد سألهم محمد بن أبى بكر أن يسقوه شربة من الماء فقال معاوية: لا سقاني الله إن سقيتك قطرة من الماء أبدا، إنكم منعتم عثمان أن يشرب الماء حتى قتلتموه صائما محرما فتلقاه الله بالرحيق المختوم. وقد ذكر ابن جرير وغيره أن محمد بن أبى بكر نال من معاوية بن خديج هذا ومن عمرو بن العاص ومن معاوية ومن عثمان بن عفان أيضا، فعند ذلك غضب معاوية بن خديج فقدمه فقتله ثم جعله في جيفة حمار فأحرقه بالنار، فلما بلغ ذلك عائشة جزعت عليه جزعا شديدا وضمت عياله إليها، وكان فيهم ابنه القاسم وجعلت تدعو على معاوية وعمرو بن العاص دبر الصلوات.

وذكر الواقدي أن عمرو بن العاص قدم مصر في أربعة آلاف فيهم أبو الأعور السلمي فالتقوا مع المصريين بالمسناة فاقتتلوا قتالا شديدا حتى قتل كنانة بن بشر بن عتاب التجيبي، فهرب عند ​ذلك محمد بن أبى بكر فاختبأ عند رجل يقال له جبلة بن مسروق، فدل عليه فجاء معاوية بن خديج وأصحابه فأحاطوا به فخرج إليهم محمد بن أبى بكر فقاتل حتى قتل. قال الواقدي: وكان ذلك في صفر من هذه السنة، قال الواقدي: ولما قتل محمد بن أبى بكر بعث على الأشتر النخعي إلى مصر فمات في الطريق فالله أعلم. قال: وكانت أدرخ في شعبان في هذه السنة أيضا، وكتب عمرو بن العاص إلى معاوية يخبره بما كان من الأمر وأن الله قد فتح عليه بلاد مصر ورجعوا إلى اسمع والطاعة واجتماع الجماعة، وبما عهد لهم من الأمر. وقد زعم هشام بن محمد الكلبي أن محمد بن أبى حذيفة بن عتبة مسك بعد مقتل محمد بن أبى بكر - وكان من جملة المحرضين على قتل عثمان - فبعثه عمرو بن العاص إلى معاوية ولم يبادر إلى قتله لأنه ابن خال معاوية، فحبسه معاوية بفلسطين فهرب من السجن، فلحقه رجل يقال له عبد الله بن عمرو بن ظلام بأرض البلقاء، فاختفى محمد بغار فجاءت حمر وحش لتأوى إليه فلما رأته فيه نفرت فتعجب من نفرها جماعة من الحصادين لك، فذهبوا إلى الغار فوجدوه فيه، فجاء أولئك إليه فخشي عبد الله بن عمرو بن ظلام أن يرده إلى معاوية فيعفو عنه، فضرب عنقه، هكذا ذكر ذلك ابن الكلبي. وقد ذكر الواقدي وغيره أن محمد بن أبى حذيفة قتل في سنة ست وثلاثين كما قدمنا فالله أعلم.

وقال إبراهيم بن الحسين بن ديزيل في كتابه: ثنا عبد الله بن صالح حدثني ابن لهيعة عن يزيد ابن أبى حبيب أن عمرو بن العاص استحل مال قبطى من قبط مصر لأنه استقر عنده أنه كان يظهر الروم على عورات المسلمين - يكتب إليهم بذلك - فاستخرج منه بضعا وخمسين أردبا دنانير، قال أبو صالح: والإردب ست ويبات والويبة مثل القفيز واعتبرنا الويبة فوجدناها تسعا [١] وثلاثين ألف دينار، قلت: فعلى هذا يكون يبلغ ما كان أخذ من القبطي ما يقارب ثلاثة عشر ألف ألف دينار.

قال أبو مخنف باسناده: ولما بلغ على بن أبى طالب مقتل محمد بن أبى بكر وما كان بمصر من الأمر، وتملك عمرو لها، واجتماع الناس عليه وعلى معاوية قام في الناس خطيبا فحثهم على الجهاد والصبر والمسير إلى أعدائهم من الشاميين والمصريين، وواعدهم الجرعة بين الكوفة والحيرة، فلما كان الغد خرج يمشى إليها حتى نزلها فلم يخرج إليه أحد من الجيش، فلما كان العشي بعث إلى أشراف الناس فدخلوا عليه وهو حزين كئيب

فقام فيهم خطيبا فقال: الحمد لله على ما قضى من أمر وقدر من فعل وابتلاني بكم وبمن لا يطيع إذا أمرت، ولا يجيب إذا دعوت، أو ليس عجبا أن معاوية يدعو الجفاة الطغام فيتبعونه بغير عطاء ولا معونة، ويجيبونه في السنة مرتين والثلاث إلى أي وجه شاء؟ وأنا أدعوكم وأنتم أولو النهى وبقية الناس على المعونة وطائفة من العطاء فتفرقون عنى وتعصوننى وتختلفون على؟ ​ فقام إليه مالك بن كعب الأوسي فندب الناس إلى امتثال أمر على والسمع والطاعة له فانتدب ألفان فأمر عليهم مالك بن كعب هذا فسار بهم خمسا، ثم قدم على عليّ جماعة ممن كان مع محمد بن أبى بكر بمصر فأخبروه كيف وقع الأمر وكيف قتل محمد بن أبى بكر وكيف استقر أمر عمرو بها، فبعث إلى مالك بن كعب فرده من الطريق - وذلك أنه خشي عليهم من أهل الشام قبل وصولهم إلى مصر واستقر أمر العراقيين على مخالفة على فيما يأمرهم به وينهاهم عنه، والخروج عليه والبعد عن أحكامه وأقواله وأفعاله، لجهلهم وقلة عقلهم وجفائهم وغلظتهم وفجور كثير منهم، فكتب على عند ذلك إلى ابن عباس - وهو نائبة على البصرة - يشكو إليه ما يلقاه من الناس من المخالفة والمعاندة، فرد عليه ابن عباس يسليه في ذلك، ويعزيه في محمد بن أبى بكر ويحثه على تلافى الناس والصبر على مسيئهم، فان ثواب الله خير من الدنيا، ثم ركب ابن عباس من البصرة إلى على وهو بالكوفة واستخلف ابن عباس على البصرة زيادا، وفي هذا الحين بعث معاوية بن أبى سفيان كتابا مع عبد الله بن عمرو الحضرميّ إلى أهل البصرة يدعوهم إلى الإقرار بما حكم له عمرو بن العاص، فلما قدمها نزل على بنى تميم فأجاروه فنهض إليه زياد وبعث إليه أعين بن ضبيعة في جماعة من الناس فساروا إليهم فاقتتلوا فقتل أعين بن ضبيعة، فكتب زياد إلى على يعلمه بما وقع بالبصرة بعد خروج ابن عباس منها، فبعث عند ذلك على جارية بن قدامة التميمي في خمسين رجلا إلى قومه بنى تميم، وكتب معه كتابا إليهم فرجع أكثرهم عن ابن الحضرميّ وقصده جارية فحصره في دار هو وجماعة معه، قيل: كان عددهم أربعين، وقيل سبعين، فحرقهم بالنار بعد أن أعذر إليهم وأنذرهم فلم يقبلوا ولم يرجعوا عما جاءوا له.

  1. ↑ في نسخة طوب قبو: سبعا.