انتقل إلى المحتوى

البداية والنهاية (ط. السعادة)/ثم دخلت سنة ثمان وأربعين ومائتين

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
ملاحظات: القاهرة: مطبعة السعادة (1351 هـ)، الجزء 10، الصفحة ٣٥٣
 

ثم دخلت سنة ثمان وأربعين ومائتين

فيها أغزى المنتصر وصيفا التركي الصائفة لقتال الروم، وذلك أن ملك الروم قصد بلاد الشام، فعند ذلك جهز المنتصر وصيفا وجهز معه نفقات وعددا كثيرة، وأمره إذا فرغ من قتال الروم أن يقيم بالثغر أربع سنين، وكتب له إلى محمد بن عبد الله بن طاهر نائب العراق كتابا عظيما فيه آيات كثيرة في التحريض للناس على القتال والترغيب فيه. وفي ليلة السبت لسبع بقين من صفر خلع أبو عبد الله المعتز والمؤيد إبراهيم أنفسهما من الخلافة، وأشهدا عليهما بذلك، وأنهما عاجزان عن الخلافة، والمسلمين في حل من بيعتهما، وذلك بعد ما تهددهما أخوهما المنتصر وتوعدهما بالقتل إن لم يفعلا ذلك، ومقصودة تولية ابنه عبد الوهاب بإشارة أمراء الأتراك بذلك. وخطب بذلك على رءوس الأشهاد بحضرة القواد والقضاة وأعيان الناس والعوام، وكتب بذلك إلى الآفاق ليعلموا بذلك ويخطبوا له بذلك على المنابر، ويتوالى على محال الكتابة، والله غالب على أمره، فأراد أن يسلبهما الملك ويجعله في ولده، والأقدار تكذبه وتخالفه، وذلك أنه لم يستكمل بعد قتل أبيه سوى ستة أشهر، ففي أواخر صفر من هذه السنة عرضت له علة كان فيها حتفه، وقد كان المنتصر رأى في منامه كأنه يصعد سلما فبلغ إلى آخر خمس وعشرين درجة. فقصّها على بعض المعبرين فقال: تلى خمسا وعشرين سنة الخلافة، وإذا هي مدة عمره قد استكملها في هذه السنة. وقال بعضهم: دخلنا عليه يوما فإذا هو يبكى وينتحب شديدا، فسأله بعض أصحابه عن بكائه فقال: رأيت أبى المتوكل في منامي هذا وهو يقول: ويلك يا محمد قتلتني وظلمتني وغصبتني خلافتي، والله لا أمتعت بها بعدي إلا أياما يسيرة ثم مصيرك إلى النار. قال: فما أملك عيني ولا جزعي. فقال له أصحابه من الغرارين الذين يغزون الناس ويفتنونهم: هذه رؤيا وهي تصدق وتكذب، قم بنا إلى الشراب ليذهب همك وحزنك. فأمر بالشراب فأحضر وجاء ندماؤه فأخذه في الخمر وهو منكسر الهمة، وما زال كذلك مكسورا حتى مات.

وقد اختلفوا في علته التي كان فيها هلاكه، فقيل داء في رأسه فقطر في أذنه دهن فلما وصل