انتقل إلى المحتوى

البداية والنهاية (ط. السعادة)/ثم دخلت سنة ثلاث وسبعين ومائة

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
ملاحظات: القاهرة: مطبعة السعادة (1351 هـ)، الجزء 10، الصفحات ١٦٢–١٦٤
 

ثم دخلت سنة ثلاث وسبعين ومائة

فيها توفى بالبصرة محمد بن سليمان فأمر الرشيد بالاحتياط على حواصله التي تصلح للخلفاء، فوجدوا من ذلك شيئا كثيرا من الذهب والفضة والأمتعة وغير ذلك، فنضدوه ليستعان به على الحرب وعلى مصالح المسلمين. وهو محمد بن سليمان بن على بن عبد الله بن عباس، وأمه أم حسن بنت جعفر بن حسن بن حسن بن على، وكان من رجالات قريش وشجعانهم. جمع له المنصور بين البصرة والكوفة، وزوجه المهدي ابنته العباسة، وكان له من الأموال شيء كثير، كان دخله في كل يوم مائة ألف. وكان له خاتم من ياقوت أحمر لم ير مثله. وروى الحديث عن أبيه عن جده الأكبر، وهو حديث مرفوع في مسح رأس اليتيم إلى مقدم رأسه، ومسح رأس من له أب إلى مؤخر رأسه.

وقد وفد على الرشيد فهنأه بالخلافة فأكرمه وعظمه وزاده في عمله شيئا كثيرا. ولما أراد الخروج خرج معه الرشيد يشيعه إلى كلواذا. توفى في جمادى الآخرة من هذه السنة عن إحدى وخمسين سنة، وقد أرسل الرشيد من اصطفى من ماله الصامت فوجد له من الذهب ثلاثة آلاف ألف دينار، ومن الدراهم ستة آلاف ألف، خارجا عن الأملاك.

وقد ذكر ابن جرير أن وفاته ووفاة الخيزران في يوم واحد، وقد وقفت جارية من جواريه على قبره فأنشأت تقول:

أمسى التراب لمن هويت مبيتا
الق التراب فقل له حييتا
إنا نحبك يا تراب وما بنا
إلا كرامة من عليه حثيتا

وفيها توفيت الخيزران جارية المهدي وأم أمير المؤمنين الهادي والرشيد، اشتراها المهدي وحظيت عنده جدا ثم أعتقها وتزوجها وولدت له خليفتين: موسى الهادي والرشيد. ولم يتفق هذا لغيرها من النساء إلا الولادة بنت العباس العبسية، زوجة عبد الملك بن مروان، وهي أم الوليد وسليمان. وكذلك لشاه فرند بنت فيروز بن يزدجرد، ولدت لمولاها الوليد بن عبد الملك: مروان وإبراهيم. وكلاهما ولى الخلافة.

وقد روى من طريق الخيزران عن مولاها المهدي عن أبيه عن جده عن ابن عباس عن النبي قال: «من اتقى الله وقاه كل شيء». ولما عرضت الخيزران على المهدي ليشتريها أعجبته إلا دقة في ساقيها، فقال لها: يا جارية إنك لعلى غاية المنى والجمال لولا دقة ساقيك وخموشهما. فقالت: يا أمير المؤمنين إنك أحوج ما تكون اليهما لا تراهما. فاستحسن جوابها واشتراها وحظيت عنده جدا. وقد حجت الخيزران مرة في حياة المهدي فكتب: إليها وهي بمكة يستوحش لها ويتشوق إليها بهذا الشعر: -

نحن في غاية السرور ولكن
ليس إلا بكم يتم السرور
عيب ما نحن فيه يا أهل ودى
أنكم غيّب ونحن حضور
فأجدّوا في السير بل إن قدرتم
أن تطيروا مع الرياح فطيروا

فأجابته أو أمرت من أجابه:

قد أتانا الّذي وصفت من الشوق
فكدنا وما قدرنا نطير
ليت أن الرياح كن يؤدين
إليكم ما قد يكنّ الضمير
لم أزل صبة فان كنت بعدي
في سرور فدام ذاك السرور

وذكروا أنه أهدى إليها محمد بن سليمان نائب البصرة الّذي مات في اليوم الّذي ماتت فيه مائة وصيفة، مع كل وصيفة جام من فضة مملوء مسكا. فكتبت إليه: إن كان ما بعثته ثمنا عن ظننا فيك فظننا فيك أكثر مما بعثت، وقد بخستنا في الثمن، وإن كنت تريد به زيادة المودة فقد اتهمتنى في المودة. وردت ذلك عليه. وقد اشترت الدار المشهورة بها بمكة المعروفة بدار الخيزران، فزادتها في المسجد الحرام.

وكان مغلّ ضياعها في كل سنة ألف ألف وستين ألفا. واتفق موتها ببغداد ليلة الجمعة لثلاث بقين من جمادى الآخرة من هذه السنة. وخرج ابنها الرشيد في جنازتها وهو حامل سريرها يخب في الطين. فلما انتهى إلى المقبرة أتى بماء فغسل رجليه ولبس خفا وصلى عليها، ونزل لحدها. فلما خرج من القبر أتى بسرير فجلس عليه واستدعى بالفضل بن الربيع فولاه الخاتم والنفقات. وأنشد الرشيد قول ابن نويرة حين دفن أمه الخيزران:

وكنا كندمانى جذيمة برهة
من الدهر حتى قيل له يتصدعا
فلما تفرقنا كأنى ومالكا
لطول اجتماع لم نبت ليلة معا