البداية والنهاية (ط. السعادة)/ثم دخلت سنة ثلاثين وثلاثمائة/أبو صالح مفلح الحنبلي
أبو صالح مفلح الحنبلي
واقف مسجد أبى صالح ظاهر باب شرقى من دمشق، وكانت له كرامات وأحوال ومقامات، واسمه مفلح بن عبد الله أبو صالح المتعبد، الّذي ينسب إليه المسجد خارج باب شرقى من دمشق، صحب الشيخ أبا بكر بن سعيد حمدونة الدمشقيّ، وتأدب به، وروى عنه الموحد بن إسحاق بن البري، وأبو الحسن على بن العجة قيم المسجد، وأبو بكر بن داود الدينَوَريّ الدقى. روى الحافظ ابن عساكر من طريق الدقى عن الشيخ أبى صالح. قال: كنت أطوف بجبل لكام أطلب العباد فمررت برجل وهو جالس على صخرة مطرق رأسه فقلت له: ما تصنع هاهنا؟ فقال: انظر وأرعى. فقلت له: لا أرى بين يديك شيئا تنظر إليه ولا ترعاه إلا هذه العصاة والحجارة. فقال: بل انظر خواطر قلبي وأرعى أوامر ربى، وبالذي أطلعك على إلا صرفت بصرك عنى. فقلت له: نعم ولكن عظني بشيء أنتفع به حتى أمضى عنك. فقال: من لزم الباب أثبت في الخدم، ومن أكثر ذكر الموت أكثر الندم ومن استغنى بالله أمن العدم، ثم تركني ومضى. وقال أبو صالح: مكثت ستة أيام أو سبعة لم آكل ولم أشرب، ولحقني عطش عظيم، فجئت إلى النهر الّذي وراء المسجد فجلست انظر إلى الماء، فتذكرت قوله تعالى ﴿وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ﴾ فذهب عنى العطش، فمكثت تمام العشرة أيام. وقال: مكثت أربعين يوما لم أشرب، ثم شربت، وأخذ رجل فضلتى ثم ذهب إلى امرأته فقال: اشربى فضل رجل قد مكث أربعين يوما لم يشرب الماء. قال أبو صالح: ولم يكن اطلع على ذلك أحد إلا الله عز وجل. ومن كلام أبى صالح: الدنيا حرام على القلوب حلال على النفوس، لأن كل شيء يحل لك أن تنظر بعين رأسك إليه يحرم عليك أن تنظر بعين قلبك إليه. وكان يقول: البدن لباس القلب والقلب لباس الفؤاد، والفؤاد لباس الضمير، والضمير لباس السر، والسر لباس المعرفة به. ولأبى صالح مناقب كثيرة رحمه الله. توفى في جمادى الأولى من هذه السنة والله سبحانه أعلم.