البداية والنهاية (ط. السعادة)/ثم دخلت سنة تسع وخمسين/أبو هريرة الدوسي رضي الله عنه
أبو هريرة الدوسيّ رضي الله عنه
وقد اختلف في اسمه في الجاهلية والإسلام، واسم أبيه على أقوال متعددة، وقد بسطنا أكثرها في كتابنا التكميل، وقد بسط ذلك ابن عساكر في تاريخه، والأشهر أن اسمه عبد الرحمن بن صخر وهو من الأزد، ثم من دوس. ويقال: كان اسمه في الجاهلية عبد شمس، وقيل عبد نهم، وقيل عبد غنم، ويكنى بأبي الأسود، فسماه رسول الله ﷺ عبد الله، وقيل عبد الرحمن، وكناه بأبي هريرة، وروى عنه أنه قال: وجدت هريرة وحشية فأخذت أولادها فقال لي أبى: ما هذه في حجرك؟ فأخبرته، فقال: أنت أبو هريرة.
وثبت في الصحيح أن رسول الله ﷺ قال له: «أبا هر» وثبت أنه قال له: «يا أبا هريرة» قال محمد بن سعد وابن الكلبي والطبراني: اسم أمه ميمونة بنت صفيح بن الحارث بن أبى صعب بن هبة بن سعد بن ثعلبة، أسلمت وماتت مسلمة. وروى أبو هريرة عن رسول الله ﷺ الكثير الطيب، وكان من حفاظ الصحابة، وروى عن أبى بكر وعمر وأبى بن كعب، وأسامة بن زيد، ونضرة بن أبى نضرة، والفضل بن العباس، وكعب الأحبار، وعائشة أم المؤمنين. وحدث عنه خلائق من أهل العلم قد ذكرناهم مرتبين على حروف المعجم في التكميل، كما ذكره شيخنا في تهذيبه. قال البخاري: روى عنه نحو من ثمانمائة رجل أو أكثر من أهل العلم، من الصحابة والتابعين وغيرهم. وقال عمرو بن على الفلاس: كان ينزل المدينة وكان إسلامه سنة خيبر:
قال الواقدي: وكان بذي الحليفة له دار، وقال غيره: كان آدم اللون، بعيد ما بين المنكبين، ذا طفرتين، أقرن الثنيتين.
وقال أبو داود الطيالسي وغير واحد عن أبى خلدة، خالد بن دينار عن أبى العالية عن أبى هريرة قال: لما أسلمت قال رسول الله ﷺ. «ممن أنت؟ فقلت: من دوس، فوضع يده على جبهته وقال: ما كنت أرى أن في دوس رجلا فيه خير» وقال الزهري عن سعيد عن أبى هريرة قال: شهدت مع رسول الله ﷺ خيبر، وروى عبد الرزاق عن سفيان بن عيينة عن إسماعيل عن قيس. قال قال أبو هريرة: جئت يوم خيبر بعد ما فرغوا من القتال. وقال يعقوب بن سفيان: حدثنا سعيد بن أبى مريم ثنا الدراوَرْديّ. قال: حدثني خيثم عن عراك بن مالك عن أبيه عن أبى هريرة. قال: «خرج رسول الله ﷺ واستخلف على المدينة سباع بن عرفطة، قال أبو هريرة: وقدمت المدينة فهاجروا فصليت الصبح وراء سباع فقرأ في السجدة الأولى سورة مريم، وفي الثانية ويل للمطففين، قال أبو هريرة: فقلت في نفسي: ويل لأبى فلان، لرجل كان بأرض الأزد - وكان له مكيالان مكيال يكيل به لنفسه، ومكيال يبخس به الناس». وقد ثبت في صحيح البخاري أنه ضل غلام له في الليلة التي اجتمع في صبيحتها برسول الله ﷺ وأنه جعل ينشد:
فلما قدم على رسول الله ﷺ قال له: «هذا غلامك»؟ فقال هو حر لوجه الله عز وجل. وقد لزم أبو هريرة رسول الله ﷺ بعد إسلامه، فلم يفارقه في حضر ولا سفر، وكان أحرص شيء على سماع الحديث منه، وتفقه عنه، وكان يلزمه على شبع بطنه. وقال أبو هريرة - وقد تمخط يوما في قميص له كتان - بخ بخ، أبو هريرة يمتخط في الكتان، لقد رأيتني أخر فيما بين المنبر والحجر من الجوع، فيمر المار فيقول: به جنون وما بى إلا الجوع، والله الّذي لا إله إلا هو لقد كنت أعتمد بكبدي على الأرض من الجوع، وأشد الحجر على بطني من الجوع، ولقد كنت أستقرئ أحدهم الآية وأنا أعلم بها منه، وما بى إلا أن يستتبعنى إلى منزله فيطعمني شيئا، وذكر حديث اللبن مع أهل الصفة كما قدمناه في دلائل النبوة. وقال الامام أحمد: حدثنا عبد الرحمن ثنا عكرمة بن عامر حدثني أبو كثير - وهو يزيد بن عبد الرحمن بن أذينة السحيمى الأعمى - حدثني أبو هريرة. قال: والله ما خلق الله مؤمنا يسمع بى ولا يراني إلا أحبنى، قلت: وما علمك بذلك يا أبا هريرة؟ قال: إن أمى كانت امرأة مشركة، وإني كنت أدعوها إلى الإسلام وكانت تأبى على، فدعوتها يوما فأسمعتنى في رسول الله ﷺ ما أكره،
فأتيت رسول الله ﷺ وأنا أبكى، فقلت: يا رسول الله إني كنت أدعو أمى إلى الإسلام فكانت تأبى على، وإني دعوتها اليوم فأسمعتنى فيك ما أكره، فادع الله أن يهدى أم أبى هريرة، فقال: «اللهمّ اهد أم أبى هريرة» فخرجت أعدو أبشرها بدعاء رسول الله ﷺ لها، فلما أتيت الباب إذا هو مجاف، وسمعت خضخضة (خشخشة) وسمعت خشف رجل - يعنى وقعها - فقالت: يا أبا هريرة كما أنت، ثم فتحت الباب وقد لبست درعها وعجلت عن خمارها أن تلبسه، وقالت: إني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، فرجعت إلى رسول الله ﷺ أبكى من الفرح كما بكيت من الحزن، فقلت: يا رسول الله أبشر فقد استجاب الله دعاءك، قد هدى الله أم أبى هريرة، وقلت: يا رسول الله أدعو الله أن يحببنى وأمى إلى عباده المؤمنين، فقال: «اللهمّ حبب عبيدك هذا وأمه إلى عبادك المؤمنين، وحببهم إليهما» قال أبو هريرة: فما خلق الله من مؤمن يسمع بى ولا يراني أو يرى أمى إلا وهو يحبني. وقد رواه مسلم من حديث عكرمة عن عمار نحوه. وهذا الحديث من دلائل النبوة، فان أبا هريرة محبب إلى جميع الناس، وقد شهر الله ذكره بما قدره أن يكون من روايته من إيراد هذا الخبر عنه على رءوس الناس في الجوامع المتعددة في سائر الأقاليم في الإنصات يوم الجمعة بين يدي الخطبة، والإمام على المنبر، وهذا من تقدير الله العزيز العليم، ومحبة الناس له رضي الله عنه.
وقال هشام بن عمار: حدثنا سعيد ثنا عبد الحميد بن جعفر عن المقبري عن سالم مولى النضريين أنه سمع أبا هريرة يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنما محمد بشر أغضب كما يغضب البشر وإني قد اتخذت عندك عهدا لن تخلفنيه، فأيما رجل من المسلمين آذيته أو شتمته أو جلدته فاجعلها له قربة بها عندك يوم القيامة» قال أبو هريرة: لقد رفع عليّ رسول الله ﷺ يوما الدرة ليضربني بها فلأن يكون ضربني بها أحب إليّ من حمر النعم، ذلك بأنى أرجو أن أكون مؤمنا وأن يستجاب لرسول الله ﷺ دعوته،
وقال ابن أبى ذيب عن سعيد المقبري عن أبى هريرة. قال: قلت يا رسول الله إني أسمع منك حديثا كثيرا فأنساه، فقال: «ابسط رداءك، فبسطته، ثم قال: ضمه فضممته فما نسيت حديثا بعد» رواه البخاري.
وقال الامام أحمد: حدثنا سفيان عن الزهري عن عبد الرحمن الأعرج. قال: سمعت أبا هريرة يقول: إنكم تزعمون أن أبا هريرة يكثر الحديث عن رسول الله ﷺ، والله الموعد إني كنت امرأ مسكينا أصحب رسول الله ﷺ على ملء بطني، وكان المهاجرون يشغلهم الصفق في الأسواق، وكانت الأنصار يشغلهم القيام على أموالهم، فحضرت من رسول الله ﷺ يوما مجلسا فقال: «من بسط رداءه حتى أقضى مقالتي ثم يقبضه إليه فلن ينسى شيئا سمعه منى». فبسطت بردة على حتى قضى مقالته ثم قبضتها إليّ فو الّذي نفسي بيده ما نسيت شيئا سمعته منه بعد ذلك. وقد رواه ابن وهب عن يونس عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبى هريرة وله طرق أخر عنه. وقد قيل إن هذا كان خاصا بتلك المقالة لم ينس منها شيئا، بدليل أنه نسي بعض الأحاديث كما هو مصرح به في الصحيح، حيث نسيى حديث «لا عدوى ولا طيرة» مع حديثه «لا يورد ممرض على مصح» وقيل: إن هذا كان عاما في تلك المقالة وغيرها والله أعلم.
وقال الدراوَرْديّ عن عمرو بن أبى عمرو عن سعيد المقبري عن أبى هريرة أنه قال: «يا رسول الله من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ فقال: لقد ظننت يا أبا هريرة أن أحدا لا يسألنى عن هذا الحديث أول منك، لما رأيت من حرصك على الناس، إن أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال لا إله إلا الله خالصا من قبل نفسه» ورواه البخاري من حديث عمرو ابن أبى عمرو به. وقال ابن أبى ذيب عن سعيد المقبري عن أبى هريرة أنه قال: «حفظت من رسول الله ﷺ وعاءين فأما أحدهما فبثثته في الناس، وأما الآخر فلو بثثته لقطع هذا البلعوم» رواه البخاري من حديث ابن أبى ذيب، ورواه غير واحد عن أبى هريرة، وهذا الوعاء الّذي كان لا يتظاهر به هو الفتن والملاحم وما وقع بين الناس من الحروب والقتال، وما سيقع التي لو أخبر بها قبل كونها لبادر كثير من الناس إلى تكذيبه، وردوا ما أخبر به من الحق، كما قال: لو أخبرتكم أنكم تقتلون إمامكم وتقتتلون فيما بينكم بالسيوف لما صدقتموني. وقد يتمسك بهذا الحديث طوائف من أهل الأهواء والبدع الباطلة، والأعمال الفاسدة، ويسندون ذلك إلى هذا الجراب الّذي لم يقله أبو هريرة، ويعتقدون أن ما هم عليه كان في هذا الجراب الّذي لم يخبر به أبو هريرة، وما من مبطل مع تضاد أقوالهم إلا وهو يدعى هذا وكلهم يكذبون، فإذا لم يكن أبو هريرة قد أخبر به فمن علمه بعده؟ وإنما كان الّذي فيه شيء من الفتن والملاحم كما أخبر بها هو وغيره من الصحابة، مما ذكرناه ومما سنذكره في كتاب الفتن والملاحم. وقال حماد بن زيد: حدثنا عمرو بن عبيد الأنصاري ثنا أبو الزعيزعة كاتب مروان بن الحكم أن مروان دعا أبا هريرة وأقعده خلف السرير، وجعل مروان يسأل وجعلت أكتب عنه، حتى إذا كان عند رأس الحول دعا به وأقعده من وراء الحجاب فجعل يسأله عن ذلك الكتاب، فما زاد ولا نقص، ولا قدم ولا أخر. وروى أبو بكر بن عياش وغيره عن الأعمش عن أبى صالح. قال: كان أبو هريرة من أحفظ أصحاب رسول الله ﷺ ولم يكن بأفضلهم.
وقال الربيع قال الشافعيّ: أبو هريرة أحفظ من روى الحديث في دهره. وقال أبو القاسم البغوي:
حدثنا أبو خيثمة ثنا الوليد بن مسلم ثنا سعيد بن عبد العزيز عن مكحول قال: تواعد الناس ليلة من الليالي إلى قبة من قباب معاوية فاجتمعوا فيها، فقام أبو هريرة فحدثهم عن رسول الله ﷺ حتى أصبح. وقال سفيان بن عيينة عن معمر عن وهب بن منبه عن أخيه همام بن منبه. قال: سمعت أبا هريرة يقول: ما من أحد من أصحاب رسول الله ﷺ أكثر حديثا عنه منى، إلا ما كان من عبد الله بن عمرو، فإنه كان يكتب ولا أكتب. وقال أبو زرعة الدمشقيّ: حدثني محمد بن زرعة الرعينيّ ثنا مروان بن محمد ثنا سعيد بن عبد العزيز عن إسماعيل بن عبد الله عن السائب بن يزيد قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول لأبى هريرة: لتتركن الحديث عن رسول الله ﷺ أو لألحقنك بأرض دوس، وقال لكعب الأحبار: لتتركن الحديث عن الأول أو لألحقنك بأرض القردة. قال أبو زرعة، وسمعت أبا مسهر يذكره عن سعيد بن عبد العزيز نحوا منه ولم يسنده، وهذا محمول من عمر على أنه خشي من الأحاديث التي قد تضعها الناس على غير مواضعها، وأنهم يتكلمون على ما فيها من أحاديث الرخص، وأن الرجل إذا أكثر من الحديث ربما وقع في أحاديثه بعض الغلط أو الخطأ فيحملها الناس عنه أو نحو ذلك. وقد جاء أن عمر أذن له بعد ذلك في التحديث، فقال مسدد: حدثنا خالد الطحان ثنا يحيى بن عبد الله عن أبيه عن أبى هريرة. قال: بلغ عمر حديثي فأرسل إلى فقال: كنت معنا يوم كنا مع رسول الله ﷺ في بيت فلان؟ قال قلت: نعم! وقد علمت لم تسألنى عن ذلك؟ قال: ولم سألتك؟ قلت: إن رسول الله ﷺ قال يومئذ «من كذب على متعمدا فليتبوَّأ مقعده من النار» قال: أما إذا فاذهب فحدث.
وقال الامام أحمد: حدثنا عفان ثنا عبد الواحد - يعنى ابن زياد - ثنا عاصم بن كليب حدثني أبى. قال: سمعت أبا هريرة يقول - وكان يبتدئ حديثه بان يقول: قال رسول الله ﷺ الصادق المصدوق: «من كذب عليّ عامدا فليتبوَّأ مقعده من النار». وروى مثله من وجه آخر عنه. وقال ابن وهب: حدثني يحيى بن أيوب عن محمد بن عجلان. أن أبا هريرة كان يقول: إني لا حدث أحاديث لو تكلمت بها في زمان عمر أو عند عمر لشج رأسي. وقال صالح بن أبى الأخضر عن الزهري عن أبى سلمة: سمعت أبا هريرة يقول: ما كنا نستطيع أن نقول: قال رسول الله ﷺ حتى قبض عمر، وقال محمد بن يحيى الذهلي ثنا عبد الرزاق عن معمر عن الزهري. قال قال عمر: أقلوا الرواية عن رسول الله ﷺ إلا فيما يعمل به. قال ثم يقول أبو هريرة: أفكنت محدثكم بهذه الأحاديث وعمر حي؟ أما والله إذا لأيقنت أن المحففة ستباشر ظهري، [فان عمر كان يقول، اشتغلوا بالقرآن فان القرآن كلام الله، ولهذا لما بعث أبا موسى إلى العراق قال له: إنك تأنى قوما لهم في مساجدهم دوى بالقرآن كدوي النحل، فدعهم على ما هم عليه، ولا تشغلهم بالأحاديث، وأنا شريكك في ذلك. هذا معروف عن عمر رضي الله عنه] [١]
وقال الامام أحمد: حدثنا هشيم عن يعلى بن عطاء عن الوليد بن عبد الرحمن عن ابن عمر. أنه مر بأبي هريرة وهو يحدث عن النبي ﷺ أنه قال: من تبع جنازة فصلّى عليها فله قيراط، فان شهد دفنها فله قيراطان، القيراط أعظم من أحد». فقال له ابن عمر: أبا هرّ انظر ما تحدث عن رسول الله ﷺ فقام إليه أبو هريرة حتى انطلق به إلى عائشة فقال لها: يا أم المؤمنين أنشدك بالله
أسمعت رسول الله ﷺ يقول: «من تبع جنازة فصلّى عليها فله قيراط فان شهد دفنها فله قيراطان»؟ فقالت: اللهمّ نعم. فقال أبو هريرة: إنه لم يكن يشغلني عن رسول الله ﷺ غرس بالوادي وصفق بالأسواق، إني إنما كنت أطلب من رسول الله ﷺ كلمة يعلمنيها، أو أكلة يطعمنيها، فقال له ابن عمر: أنت يا أبا هر كنت ألزمنا رسول الله ﷺ وأعلمنا بحديثه. وقال الواقدي: حدثني عبد الله بن نافع عن أبيه. قال: كنت مع ابن عمر في جنازة أبى هريرة وهو يمشى أمامها ويكثر الترحم عليه، ويقول:
كان ممن يحفظ حديث رسول الله ﷺ على المسلمين. وقد روى أن عائشة تأولت أحاديث كثيرة من أبى هريرة ووهمته في بعضها، وفي الصحيح أنها عابت عليه سرد الحديث، أي الإكثار منه في الساعة الواحدة. وقال أبو القاسم البغوي: حدثنا بشر بن الوليد الكندي ثنا إسحاق بن سعد عن سعيد أن عائشة قالت لأبى هريرة: أكثرت الحديث عن رسول الله ﷺ يا أبا هريرة، قال: إني والله ما كانت تشغلني عنه المكحلة والخضاب، ولكن أرى ذلك شغلك عما استكثرت من حديثي.
قالت: لعله. وقال أبو يعلى: حدثنا إبراهيم الشامي ثنا حماد بن سلمة عن ثابت عن أبى رافع أن رجلا من قريش أتى أبا هريرة في حلة وهو يتبختر فيها، فقال: يا أبا هريرة إنك تكثر الحديث عن رسول الله ﷺ، فهل سمعته يقول في حلتى هذه شيئا؟ قال: والله إنكم لتؤذوننا، ولولا ما أخذ الله على أهل الكتاب ليبيّننّه للناس ولا يكتمونه ما حدثتكم بشيء،
سمعت أبا القاسم ﷺ يقول: «إن رجلا ممن كان قبلكم بينما هو يتبختر في حلة إذ خسف الله به الأرض فهو يتجلجل فيها حتى تقوم الساعة». فو الله ما أدرى لعله كان من قومك أو من رهطك - شك أبو يعلى - وقال محمد بن سعد:
حدثنا محمد بن عمر حدثني كثير بن زيد عن الوليد بن رباح. قال: سمعت أبا هريرة يقول لمروان:
والله ما أنت بوال، وإن الوالي لغيرك فدعه - يعنى حين أرادوا يدفنون الحسن مع رسول الله ﷺ ولكنك تدخل فيما لا يعنيك، إنما تريد بهذا إرضاء من هو غائب عنك - يعنى معاوية - قال: فأقبل عليه مروان مغضبا فقال: يا أبا هريرة إن الناس قد قالوا إنك أكثرت على رسول الله ﷺ الحديث، وإنما قدمت قبل وفاة النبي ﷺ بيسير، فقال أبو هريرة: نعم! قدمت ورسول الله ﷺ بخيبر سنة سبع، وأنا يومئذ قد زدت على الثلاثين سنة سنوات، وأقمت معه حتى توفى، أدور معه في بيوت نسائه وأخدمه، وأنا والله يومئذ مقل، وأصلى خلفه وأحج وأغزو معه، فكنت والله أعلم الناس بحديثه، قد والله سبقني قوم بصحبته والهجرة إليه من قريش والأنصار، وكانوا يعرفون لزومى له فيسألونى عن حديثه، منهم عمر وعثمان وعلى وطلحة والزبير، فلا والله ما يخفى على كل حديث كان بالمدينة، وكل من أحب الله ورسوله، وكل من كانت له عند رسول الله ﷺ منزلة، وكل صاحب له، وكان أبو بكر صاحبه في الغار وغيره، وقد أخرجه رسول الله ﷺ أن يساكنه - يعرض بأبي مروان الحكم بن العاص -. ثم قال أبو هريرة: ليسألنى أبو عبد الملك عن هذا وأشباهه فإنه يجد عندي منه علما جما ومقالا، قال: فو الله ما زال مروان يقصر عن أبى هريرة ويتقيه بعد ذلك ويخافه ويخاف جوابه [وفي رواية أن أبا هريرة قال لمروان: إني أسلمت وهاجرت اختيارا وطوعا، وأحببت رسول الله ﷺ حبا شديدا، وأنتم أهل الدار وموضع الدعوة، أخرجتم الداعي من أرضه، وآذيتموه وأصحابه، وتأخر إسلامكم عن إسلامي إلى الوقت المكروه إليكم. فندم مروان على كلامه له واتقاه] [٢] وقال ابن أبى خيثمة: حدثنا هارون بن معروف ثنا محمد بن سلمة ثنا محمد بن إسحاق عن عمر أو عثمان بن عروة عن أبيه - يعنى عروة بن الزبير بن العوام - قال: قال لي أبى الزبير: أدنني من هذا اليماني - يعنى أبا هريرة - فإنه يكثر الحديث عن رسول الله ﷺ، قال: فأدنيته منه، فجعل أبو هريرة يحدث، وجعل الزبير يقول: صدق، كذلك صدق، كذب. قال: قلت يا أبة ما قولك صدق كذب؟ قال: يا بنى أما أن يكون سمع هذه الأحاديث من رسول الله ﷺ فلا أشك، ولكن منها ما يضعه على مواضعه، ومنها ما وضعه على غير مواضعه. وقال على بن المديني عن وهب بن جرير عن أبيه عن محمد بن إسحاق عن محمد بن إبراهيم عن أبى اليسر بن أبى عامر.
قال: كنت عند طلحة بن عبيد الله إذ دخل رجل فقال: يا أبا محمد والله ما ندري هذا اليماني أعلم برسول الله ﷺ منكم، أم يقول على رسول الله ﷺ ما لم يسمع، أو ما لم يقل؟ فقال طلحة: والله ما نشك أنه قد سمع من رسول الله ﷺ ما لم نسمع، وعلم ما لم نعلم، إنا كنا قوما أغنياء، لنا بيوتات وأهلون، وكنا نأتي رسول الله ﷺ طرفي النهار ثم نرجع، وكان هو مسكينا لا مال له ولا أهل، وإنما كانت يده مع رسول الله ﷺ، وكان يدور معه حيث ما دار، فما نشك أنه قد علم ما لم نعلم وسمع ما لم نسمع. وقد رواه الترمذي بنحوه. وقال شعبة عن أشعث بن سليم عن أبيه قال: سمعت أبا أيوب يحدث عن أبى هريرة فقيل له: أنت صاحب رسول الله ﷺ وتحدث عن أبى هريرة؟ فقال: إن أبا هريرة قد سمع ما لم نسمع، وإني إن أحدث عنه أحب إلى من أن أحدث عن رسول الله ﷺ يعنى ما لم أسمعه منه - وقال مسلم بن الحجاج: حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن الدارميّ ثنا مروان الدمشقيّ عن الليث بن سعد حدثني بكير بن الأشج. قال قال لنا بشر بن سعيد: اتقوا الله وتحفظوا من الحديث، فو الله لقد رأيتنا تجالس أبا هريرة فيحدث عن رسول الله ﷺ ويحدثنا عن كعب الأحبار ثم يقوم فأسمع بعض ما كان معنا يجعل حديث رسول الله ﷺ عن كعب، وحديث كعب عن رسول الله ﷺ، وفي رواية يجعل ما قاله كعب عن رسول الله، وما قاله رسول الله عن كعب، فاتقوا الله وتحفظوا في الحديث. وقال يزيد بن هارون: سمعت شعبة يقول: أبو هريرة كان يدلس - أي يروى ما سمعه من كعب وما سمعه من رسول الله ﷺ ولا يميز هذا من هذا - ذكره ابن عساكر.
وكان شعبة يشير بهذا إلى حديثه «من أصبح جنبا فلا صيام له» فإنه لما حوقق عليه قال: أخبرنيه مخبر ولم أسمعه من رسول الله ﷺ. وقال شريك عن مغيرة عن إبراهيم. قال: كان أصحابنا يدعون من حديث أبى هريرة، وروى الأعمش عن إبراهيم. قال: ما كانوا يأخذون بكل حديث أبى هريرة، وقال الثوري عن منصور عن إبراهيم قال: كانوا يرون في أحاديث أبى هريرة شيئا، وما كانوا يأخذون بكل حديث أبى هريرة، إلا ما كان من حديث صفة جنة أو نار، أو حث على عمل صالح، أو نهى عن شرجاء القرآن به. وقد انتصر ابن عساكر لأبى هريرة وردّ هذا الّذي قاله إبراهيم النخعي. وقد قال ما قاله إبراهيم طائفة من الكوفيين، والجمهور على خلافهم.
وقد كان أبو هريرة من الصدق والحفظ والديانة والعبادة والزهادة والعمل الصالح على جانب عظيم.
قال حماد بن زيد عن عباس الجريريّ عن أبى عثمان النهدي. قال: كان أبو هريرة يقوم ثلث الليل، وامرأته ثلثه، وابنته ثلثه، يقوم هذا ثم يوقظ هذا، ثم يوقظ هذا هذا. وفي الصحيحين عنه أنه قال: «أوصاني خليلي ﷺ بصيام ثلاثة أيام من كل شهر وركعتي الضحى، وأن أوتر قبل أن أنام»: وقال ابن جريج عمن حدثه. قال قال أبو هريرة: إني أجزئ الليل ثلاثة أجزاء فجزءا لقراءة القرآن، وجزءا أنام فيه، وجزءا أتذكر فيه حديث رسول الله ﷺ. وقال محمد بن سعد:
ثنا مسلم بن إبراهيم ثنا إسحاق بن عثمان القرشي ثنا أبو أيوب. قال كان لأبى هريرة مسجد في مخدعه، ومسجد في بيته، ومسجد في حجرته، ومسجد على باب داره، إذا خرج صلى فيها جميعها، وإذا دخل صلى فيها جميعا. وقال عكرمة: كان أبو هريرة يسبح كل ليلة ثنتى عشرة ألف تسبيحة، يقول: أسبح على قدر ديتي. وقال هشيم عن يعلى بن عطاء عن ميمون بن أبى ميسرة.
قال: كانت لأبى هريرة صيحتان في كل يوم، أول النهار صيحة يقول: ذهب الليل وجاء النهار وعرض آل فرعون على النار، وإذا كان العشي يقول: ذهب النهار وجاء الليل وعرض آل فرعون على النار، فلا يسمع أحد صوته إلا استعاذ بالله من النار. وقال عبد الله بن المبارك: حدثنا موسى بن عبيدة عن زياد بن ثوبان عن أبى هريرة. قال: لا تغبطن فاجرا بنعمة فان من ورائه طالبا حثيثا طلبه، جهنم كلما خبت زدناهم سعيرا. وقال ابن لهيعة عن أبى يونس عن أبى هريرة أنه صلى بالناس يوما فلما سلم رفع صوته فقال: الحمد لله الّذي جعل الدين قواما، وجعل أبا هريرة إماما، بعد ما كان أجيرا لابنة غزوان على شبع بطنه وحمولة رجله [وقال إبراهيم بن إسحاق الحربي: ثنا عفان ثنا سليم بن حيان قال: سمعت أبى يحدث عن أبى هريرة قال: نشأت يتيما، وهاجرت مسكينا، وكنت أجيرا لابنة غزوان بطعام بطني وعقبة رجلي، أحدو بهم إذا ركبوا وأحتطب إذا نزلوا، فالحمد لله الّذي جعل الدين قواما وجعل أبا هريرة إماما،] [٣] ثم يقول: والله يا أهل الإسلام إن كانت إجارتي معهم إلا على كسرة يابسة، وعقبة في ليلة غبراء مظلمة، ثم زوجنيها الله فكنت أركب إذا ركبوا، وأخدم إلا خدموا، وأنزل إذا نزلوا. وقال إبراهيم بن يعقوب الجورجانى: حدثنا الحجاج بن نصر ثنا هلال ابن عبد الرحمن الحنفي عن عطاء بن أبى ميمونة عن أبى سلمة. قال قال أبو هريرة وأبو ذر: باب من العلم نتعلمه أحب إلينا من ألف ركعة تطوعا، وباب نعلمه عملنا به أو لم نعمل به، أحب إلينا من مائة ركعة تطوعا، وقالا:
سمعنا رسول الله ﷺ يقول «إذا جاء طالب العلم الموت وهو على هذه الحال مات وهو شهيد» وهذا حديث غريب من هذا الوجه، وروى غير واحد عن أبى هريرة أنه كان يتعوذ في سجوده أن يزني أو يسرق، أو يكفر أو يعمل كبيرة. فقيل له: أتخاف ذلك؟ فقال:
ما يؤمنني وإبليس حي، ومصرّف القلوب يصرفها كيف يشاء؟. وقالت له ابنته: يا أبة إن البنات يعيرننى يقلن: لم لا يحليك أبوك بالذهب؟ فقال: يا بنية قولي لهن. إن أبى يخشى على حر اللهب وقال أبو هريرة أتيت عمر بن الخطاب فقمت له وهو يسبح بعد الصلاة فانتظرته فلما انصرف دنوت منه فقلت: اقرئنى آيات من كتاب الله، قال: وما أريد إلا الطعام، قال فأقرأنى آيات من سورة آل عمران، فلما بلغ أهله دخل وتركني على الباب، فقلت: ينزع ثيابه ثم يأمر لي بطعام، فلم أر شيئا،
فلما طال عليّ قمت فمشيت فاستقبلني رسول الله ﷺ فكلمني فقال: «يا أبا هريرة إن خلوف فمك الليلة لشديد؟ فقلت: أجل يا رسول الله، لقد ظللت صائما وما أفطرت بعد، وما أجد ما أفطر عليه، قال: فانطلق، فانطلقت معه حتى أتى بيته فدعا جارية له سوداء فقال: ايتنا بتلك القصعة، فأتينا بقصعة فيها وضر من طعام أراه شعيرا قد أكل وبقي في جوانبها بعضه وهو يسير، فسميت وجعلت أتتبعه فأكلت حتى شبعت». وقال الطبراني: ثنا إسحاق بن إبراهيم حدثنا عبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن محمد بن سيرين أن أبا هريرة قال لابنته: لا تلبسي الذهب فانى أخشى عليك حر اللهب. وقد روى هذا عن أبى هريرة من طرق. وقال الإمام أحمد: حدثنا حجاج ثنا شعبة عن سماك بن حرب عن أبى الربيع عن أبى هريرة أنه قال: إن هذه الكناسة مهلكة دنياكم وآخرتكم - يعنى الشهوات وما يأكلونه - وروى الطبراني عن ابن سيرين عن أبى هريرة أن عمر بن الخطاب دعاه ليستعمله فأبى أن يعمل له، فقال: أتكره العمل وقد عمل من هو خير منك؟ - أو قال: قد طلبه من هو خير منك -؟ قال: من؟ قال: يوسف عليه السلام فقال أبو هريرة: يوسف نبي ابن نبي، وأنا أبو هريرة بن أميمة، فأخشى ثلاثا أو اثنتين. فقال عمر: أفلا قلت خمسا؟ قال: أخشى أن أقول بغير علم، وأقضى بغير حلم، وأن يضرب ظهري، وينتزع مالي، ويشتم عرضي.
وقال سعيد بن أبى هند عن أبى هريرة أن رسول الله ﷺ قال له: «ألا تسألنى من هذه الغنائم التي سألني أصحابك؟ فقلت: أسألك أن تعلمني مما علمك الله، قال: فنزع نمرة على ظهري فبسطها بيني وبينه حتى كأنى إلى القمل يدب عليها، فحدثني حتى إذا استوعب حديثه قال:
اجمعها إليك فصرها، فأصبحت لا أسقط حرفا مما حدثني». وقال أبو عثمان النهدي: قلت لأبى هريرة: كيف تصوم؟ قال: أصوم أول الشهر ثلاثا فان حدث بى حدث كان لي أجر شهري.
وقال حماد بن سلمة عن ثابت عن أبى عثمان النهدي أن أبا هريرة كان في سفر ومعه قوم فلما نزلوا وضعوا السفرة وبعثوا إليه ليأكل معهم فقال: إني صائم، فلما كادوا أن يفرغوا من أكلهم جاء فجعل يأكل، فجعل القوم ينظرون إلى رسولهم الّذي أرسلوه إليه، فقال لهم: أراكم تنظرون إليّ، قد والله أخبرنى أنه صائم،
فقال أبو هريرة: صدق، إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «صوم شهر صوم الصبر، وصوم ثلاثة أيام من كل شهر صوم الدهر». وقد صمت ثلاثة أيام من أول الشهر فأنا مفطر في تخفيف الله، صائم في تضعيف الله عز وجل. وروى الامام أحمد: حدثنا عبد الملك بن عمرو ثنا إسماعيل عن أبى المتوكل عن أبى هريرة أنه كان هو وأصحاب له إذا صاموا يجلسون في المسجد وقالوا نطهر صيامنا. وقال الامام أحمد: حدثنا أبو عبيدة الحداد حدثنا عثمان الشحام أبو سلمة ثنا فرقد السبخى قال: كان أبو هريرة يطوف بالبيت وهو يقول: ويل لي من بطني، إن أشبعته كظّني، وإن أجعته أضعفنى. وروى الامام أحمد عن عكرمة قال: قال أبو هريرة: إني لأستغفر الله عز وجل وأتوب إليه كل يوم اثنتي عشرة ألف مرة، وذلك على قدر ديتي. وروى عبد الله بن أحمد عن أبى هريرة انه كان له خيط فيه اثنا عشر ألف عقدة يسبح به قبل أن ينام. وفي رواية ألفا عقدة فلا ينام حتى يسبح به، وهو أصح من الّذي قبله. ولما حضره الموت بكى فقيل له: ما يبكيك؟ فقال:
ما أبكى على دنياكم هذه، ولكن أبكى على بعد سفري وقلة زادي، وإني أصبحت في صعود ومهبط على جنة ونار، لا أدرى إلى أيهما يؤخذ بى. وروى قتيبة بن سعيد ثنا الفرج بن فضالة عن أبى سعيد عن أبى هريرة قال: «إذا زوقتم مساجدكم وحليتم مصاحفكم فالدمار عليكم» وروى الطبراني عن معمر قال: بلغني عن أبى هريرة أنه كان إذا مر به جنازة قال روحوا فانا غادون، أو اغدوا فانا رائحون، موعظة بليغة، وعقلة سريعة، يذهب الأول ويبقى الآخر لا عقل له. وقال الحافظ أبو بكر بن مالك: حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل حدثني أبو بكر ليث بن خالد البجلي ثنا عبد المؤمن بن عبد الله السدوسي. قال: سمعت أبا يزيد المديني يقول: قام أبو هريرة على منبر رسول الله ﷺ دون مقام رسول الله ﷺ بعتبة، فقال: ويل للعرب من شر قد اقترب، ويل لهم من إمارة الصبيان، يحكمون فيهم بالهوى ويقتلون بالغضب. وقال الإمام أحمد: حدثنا على بن ثابت عن أسامة ابن زيد عن أبى زياد - مولى ابن عباس - عن أبى هريرة قال: كانت لي خمس عشرة ثمرة فأفطرت على خمس وتسحرت بخمس وأبقيت خمسا لفطرى. وقال أحمد: حدثنا عبد الملك بن عمرو ثنا إسماعيل - يعنى العبديّ - عن أبى المتوكل أن أبا هريرة كانت لهم زنجية قد غمتهم بعملها، فرفع عليها يوما السوط ثم قال: لولا القصاص يوم القيامة لأغشينك به، ولكن سأبيعك ممن يوفيني ثمنك، أحوج ما أكون إليه، اذهبي فأنت حرة لله عز وجل. وروى حماد بن سلمة عن أيوب عن يحيى بن أبى كثير عن أبى سلمة أن أبا هريرة مرض فدخلت عليه أعوده فقلت: اللهمّ اشف أبا هريرة، فقال: اللهمّ لا ترجعها، ثم قال: يا أبا سلمة يوشك أن يأتى على الناس زمان يكون الموت أحب إلى أحدهم من الذهب الأحمر. وروى عطاء عن أبى هريرة قال: إذا رأيتم ستا فان كانت نفس أحدكم في يده فليرسلها، فلذلك أتمنى الموت أخاف أن تدركني، إذا أمرت السفهاء، وبيع الحكم، وتهون بالدم، وقطعت الأرحام، وكثرت الجلاوزة، ونشأ نشو يتخذون القرآن مزامير. وقال ابن وهب: حدثنا عمرو بن الحارث عن يزيد بن زياد القرظي أن ثعلبة بن أبى مالك القرظي حدثه أن أبا هريرة أقبل في السوق يحمل حزمتى حطب - وهو يومئذ أمير لمروان بن الحكم - فقال: أوسع الطريق للأمير يا ابن أبى مالك، [فقلت يرحمك الله يكفى هذا! فقال: أوسع الطريق للأمير والحزمة عليه] [٤] وله فضائل ومناقب كثيرة وكلام حسن ومواعظ جمة، أسلم كما قدمنا عام خيبر، فلزم رسول الله ﷺ ولم يفارقه إلا حين بعثه مع العلاء بن الحضرميّ إلى البحرين، ووصاه به، فجعله العلاء مؤذنا بين يديه، وقال له أبو هريرة: لا تسبقني بآمين أيها الأمير. وقد استعمله عمر بن الخطاب عليها في أيام إمارته، وقاسمه مع جملة العمال. قال عبد الرزاق: حدثنا معمر عن أيوب عن ابن سيرين. أن عمر استعمل أبا هريرة على البحرين فقدم بعشرة آلاف، فقال له عمر: استأثرت بهذه الأموال أي عدو الله وعدو كتابه؟ فقال أبو هريرة: لست بعدو الله ولا عدو كتابه، ولكن عدو من عاداهما.
فقال: فمن أين هي لك؟ قال: خيل نتجت، وغلة ورقيق لي، وأعطية تتابعت على. فنظروا فوجدوه كما قال. فلما كان بعد ذلك دعاه عمر ليستعمله فأبى أن يعمل له، فقال له: تكره العمل وقد طلبه من كان خيرا منك؟ طلبه يوسف عليه السلام، فقال: إن يوسف نبي ابن نبي ابن نبي ابن نبي، وأنا أبو هريرة بن أمية وأخشى ثلاثا واثنين، قال عمر: فهلا قلت خمسة؟ قال: أخشى أن أقول بغير علم، وأقضى بغير حلم، أو يضرب ظهري، وينزع مالي، ويشتم عرضي. وذكر غيره أن عمر غرمه في العمالة الأولى اثنى عشر ألفا فلهذا امتنع في الثانية. وقال عبد الرزاق عن معمر عن محمد بن زياد.
قال: كان معاوية يبعث أبا هريرة على المدينة فإذا غضب عليه عزله وولى مروان بن الحكم، فإذا جاء أبو هريرة إلى مروان حجبه عنه، فعزل مروان ورجع أبو هريرة، فقال لمولاه: من جاءك فلا ترده واحجب مروان، فلما جاء مروان دفع الغلام في صدره فما دخل إلا بعد جهد جهيد، فلما دخل قال:
إن الغلام حجبنا عنك، فقال له أبو هريرة: إنك أحق الناس أن لا تغضب من ذلك. والمعروف أن مروان هو الّذي كان يستنيب أبا هريرة في إمرة المدينة، ولكن كان يكون عن إذن معاوية في ذلك والله أعلم. وقال حماد بن سلمة عن ثابت عن أبى رافع: كان مروان ربما استخلف أبا هريرة على المدينة فيركب الحمار ويلقى الرجل فيقول: الطريق قد جاء الأمير - يعنى نفسه - وكان يمر بالصبيان وهم يلعبون بالليل لعبة الأعراب، وهو أمير، فلا يشعرون إلا وقد ألقى نفسه بينهم ويضرب برجليه كأنه مجنون، يريد بذلك أن يضحكهم، فيفزع الصبيان منه ويفرون عنه هاهنا وهاهنا يتضاحكون.
قال أبو رافع: وربما دعاني أبو هريرة إلى عشائه بالليل فيقول: دع العراق للأمير - يعنى قطع اللحم - قال: فأنظر فإذا هو ثريد بالزيت. وقال ابن وهب: حدثني عمرو بن الحارث عن يزيد بن زياد القرظي أن ثعلبة بن أبى مالك حدثه أن أبا هريرة أقبل في السوق يحمل حزمة حطب وهو يومئذ خليفة مروان فقال: أوسع الطريق للأمير يا ابن أبى مالك. فقلت: أصلحك الله تلقى هذا، فقال: أوسع الطريق للأمير والحزمة عليه. وقد تقدم هذا. وروى نحوه من غير وجه. وقال أبو الزعيزعة كاتب مروان:
بعث مروان إلى أبى هريرة بمائة دينار، فلما كان الغد بعث إليه: إني غلطت ولم أردك بها، وإني إنما أردت غيرك. فقال أبو هريرة: قد أخرجتها فإذا خرج عطائي فخذها منه - وكان قد تصدق بها - وإنما أراد مروان اختباره. وقال الامام أحمد: حدثنا عبد الأعلى بن عبد الجبار ثنا حماد بن سلمة عن يحيى بن سعيد بن المسيب قال: كان معاوية إذا أعطى أبا هريرة سكت، وإذا أمسك عنه تكلم.
وروى غير واحد عن أبى هريرة أنه جاءه شاب فقال: يا أبا هريرة إني أصبحت صائما فدخلت على أبى فجاءني بخبز ولحم فأكلت ناسيا، فقال: طعمة أطعمكها الله لا عليك، قال: ثم دخلت دارا لأهلى فجيء بلبن لقحة فشربته ناسيا، قال: لا عليك، قال: ثم نمت فاستيقظت فشربت ماء، وفي رواية وجامعت ناسيا، فقال أبو هريرة: إنك يا ابن أخى لم تعتد الصيام. [وقال غير واحد: كان أبو هريرة إذا رأى الجنازة قال: روحوا فانا غادون، أو اغدوا فانا رائحون. وروى غير واحد أنه لما حضرته الوفاة بكى فقيل له: ما يبكيك؟ قال: على قلة الزاد وشدة المفازة، وأنا على عقبة هبوط إما إلى جنة أو إلى نار فما أدرى إلى أيهما أصير] [٥] وقال مالك عن سعيد بن أبى سعيد المقبري. قال: دخل مروان على أبى هريرة في مرضه الّذي مات فيه فقال: شفاك الله يا أبا هريرة، فقال أبو هريرة: اللهمّ إني أحب لقاءك فأحب لقائي. قال: فما بلغ مروان أصحاب القطن حتى مات أبو هريرة وقال يعقوب ابن سفيان عن دحيم عن الوليد بن جابر عن عمير بن هانئ. قال قال أبو هريرة: اللهمّ لا تدركني سنة ستين، قال: فتوفى فيها أو قبلها بسنة، وهكذا قال الواقدي: إنه توفى سنة تسع وخمسين، عن ثمان وسبعين سنة، قال الواقدي: وهو الّذي صلى على عائشة في رمضان، وعلى أم سلمة في شوال سنة تسع وخمسين، ثم توفى أبو هريرة بعدهما فيها، كذا قال، والصواب أن أم سلمة تأخرت بعد أبى هريرة. وقد قال غير واحد: إنه توفى سنة تسع وخمسين وقيل ثمان، وقيل سبع وخمسين، والمشهور تسع وخمسين. قالوا: وصلى عليه الوليد بن عتبة بن أبى سفيان نائب المدينة، وفي القوم ابن عمر وأبو سعيد وخلق من الصحابة وغيرهم، وكان ذلك عند صلاة العصر، وكانت وفاته في داره بالعقيق، فحمل إلى المدينة فصلى عليه، ثم دفن بالبقيع رحمه الله ورضى عنه. وكتب الوليد بن عتبة إلى معاوية بوفاة أبى هريرة، فكتب إليه معاوية: أن انظر ورثته فأحسن إليهم، وأصرف إليهم عشرة آلاف درهم، وأحسن جوارهم، واعمل إليهم معروفا، فإنه كان ممن نصر عثمان، وكان معه في الدار رحمهما الله تعالى: