البداية والنهاية (ط. السعادة)/ثم دخلت سنة تسع وثمانين ومائتين/وهذه ترجمة المعتضد
وهذه ترجمة المعتضد
هو أحمد بن الأمير أبى أحمد الموفق الملقب بناصر دين الله، واسم أبى أحمد محمد، وقيل طلحة بن جعفر المتوكل على الله بن المعتصم بن هارون الرشيد، أبو العباس المعتضد بالله. ولد في سنة ثنتين وقيل ثلاث وأربعين ومائتين، وأمه أم ولد. وكان أسمر نحيف الجسم معتدل القامة، قد وخطه الشيب، في مقدم لحيته طول، وفي رأسه شامة بيضاء. بويع له بالخلافة صبيحة يوم الاثنين إحدى عشرة بقيت من رجب سنة تسع وسبعين ومائتين، واستوزر عبد الله بن وهب بن سليمان، وولى القضاء إسماعيل بن إسحاق، ويوسف بن يعقوب، وابن أبى الشوارب. وكان أمر الخلافة قد ضعف في أيام عمه المعتمد، فلما ولى المعتضد أقام شعارها ورفع منارها. وكان شجاعا فاضلا من رجالات قريش حزما وجرأة وإقداما وحزمة. وكذلك كان أبوه، وقد أورد ابن الجوزي باسناده أن المعتضد اجتاز في بعض أسفاره بقرية فيها مقثاة فوقف صاحبها صائحا مستصرخا بالخليفة، فاستدعى به فسأله عن أمره فقال: إن بعض الجيش أخذوا لي شيئا من القثاء وهم من غلمانك. فقال: أتعرفهم؟ فقال نعم: فعرضهم عليه فعرف منهم ثلاثة فأمر الخليفة بتقييدهم وحبسهم، فلما كان الصباح نظر الناس ثلاثة أنفس مصلوبين على جادة الطريق، فاستعظم الناس ذلك واستنكروه وعابوا ذلك على الخليفة وقالوا: قتل ثلاثة بسبب قثاء أخذوه؟ فلما كان بعد قليل أمر الخواص - وهو مسامره - أن ينكر عليه ذلك ويتلطف في مخاطبته في ذلك والأمراء حضور، فدخل عليه ليلة وقد عزم على ذلك ففهم الخليفة ما في نفسه من كلام يريد أن يبديه، فقال له: إني أعرف أن في نفسك كلاما فما هو؟ فقال:
يا أمير المؤمنين وأنا آمن؟ قال: نعم. قلت له: فان الناس ينكرون عليك تسرعك في سفك الدماء.
فقال. والله ما سفكت دما حراما منذ وليت الخلافة إلا بحقه. فقلت له: فعلام قتلت أحمد بن الطيب وقد كان خادمك ولم يظهر له خيانة؟ فقال: ويحك إنه دعاني إلى الآحاد والكفر بالله فيما بيني وبينه، فلما دعاني إلى ذلك قلت له: يا هذا أنا ابن عم صاحب الشريعة، وأنا منتصب في منصبه فأكفر حتى أكون من غير قبيلته. فقتلته على الكفر والزندقة. فقلت له: فما بال الثلاثة الذين قتلتهم على القثاء؟ فقال: والله ما كان هؤلاء الذين أخذوا القثاء، وإنما كانوا لصوصا قد قتلوا وأخذوا المال فوجب قتلهم، فبعثت فجئت بهم من السجن فقتلتهم وأريت الناس أنهم الذين أخذوا القثاء، وأردت بذلك أن أرهب الجيش لئلا يفسدوا في الأرض ويتعدوا على الناس ويكفوا عن الأذى.
ثم أمر بإخراج أولئك الذين أخذوا القثاء فأطلقهم بعد ما استتابهم وخلع عليهم وردهم إلى أرزاقهم.
قال ابن الجوزي: وخرج المعتضد يوما فعسكر بباب الشماسية ونهى أن يأخذ أحد من بستان أحد شيئا، فأتى بأسود قد أخذ عذقا من بسر فتأمله طويلا ثم أمر بضرب عنقه، ثم التفت إلى الأمراء فقال: العامة ينكرون هذا
ويقولون إن رسول الله ﷺ قال: «لا قطع في ثمر ولا كثر». ولم يكفه أن يقطع يده حتى قتله، وإني لم أقتل هذا على سرقته، وإنما هذا الأسود رجل من الزنج كان قد استأمن في حياة أبى، وإنه تقاول هو ورجل من المسلمين فضرب المسلم فقطع يده فمات المسلم، فأهدر أبى دم الرجل المقتول تأليفا للزنج، فآليت على نفسي لئن أنا قدرت عليه لأقتلنه، فما قدرت عليه إلا هذه الساعة فقتلته بذلك الرجل.
وقال أبو بكر الخطيب: أخبرنا محمد بن أحمد بن يعقوب حدثنا محمد بن نعيم الضبيّ سمعت أبا الوليد حسان بن محمد الفقيه يقول سمعت أبا العباس بن سريج يقول سمعت إسماعيل بن إسحاق القاضي يقول: دخلت على المعتضد وعلى رأسه أحداث روم صباح الوجوه، فنظرت إليهم فرآني المعتضد وأنا أتأملهم، فلما أردت القيام أشار إلى فجلست ساعة فلما خلا قال لي: أيها القاضي والله ما حللت سراويلي على حرام قط. وروى البيهقي عن الحاكم عن حسان بن محمد عن ابن سريج القاضي إسماعيل بن إسحاق قال: دخلت يوما على المعتضد فدفع إلى كتابا فقرأته فإذا فيه الرخص من زلل العلماء قد جمعها له بعض الناس - فقلت: يا أمير المؤمنين إنما جمع هذا زنديق. فقال:
كيف؟ فقلت: إن من أباح المتعة لم يبيح الغناء، ومن أباح الغناء لم يبح إضافته إلى آلات اللهو، ومن جمع زلل العلماء ثم أخذ بها ذهب دينه. فأمر بتحريق ذلك الكتاب. وروى الخطيب بسنده عن صافى الجرمي الخادم قال: انتهى المعتضد وأنا بين يديه إلى منزل شعث وابنه المقتدر جعفر جالس فيه وحوله نحو من عشرة من الوصائف، والصبيان من أصحابه في سنة عنده، وبين يديه طبق من فضة فيه عنقود عنب، وكان العنب إذ ذاك عزيزا، وهو يأكل عنبة واحدة ثم يفرق على أصحابه من الصبيان كل واحد عنبة، فتركه المعتضد وجلس ناحية في بيت مهموما. فقلت له: مالك يا أمير المؤمنين؟ فقال: ويحك والله لولا النار والعار لأقتلن هذا الغلام، فان في قتله صلاحا للأمة. فقلت: أعيذك بالله يا أمير المؤمنين من ذلك. فقال: ويحك يا صافى هذا الغلام في غاية السخاء لما أراه يفعل مع الصبيان، فان طباع الصبيان تأبى الكرم، وهذا في غاية الكرم، وإن الناس من بعدي لا يولون عليهم إلا من هو من ولدى، فسيلى عليهم المكتفي ثم لا تطول أيامه لعلته التي به - وهي داء الخنازير - ثم يموت فيلي الناس جعفر هذا الغلام، فيذهب جميع أموال بيت المال إلى الحظايا لشغفه بهن، وقرب عهده من تشببه بهن، فتضيع أمور المسلمين وتعطل الثغور وتكثر الفتن والهرج والخوارج والشرور. قال صافى: والله لقد شاهدت ما قاله سواء بسواء.
وروى ابن الجوزي عن بعض خدم المعتضد قال: كان المعتضد يوما نائما وقت القائلة ونحن حول سريره فاستيقظ مذعورا ثم صرح بنا فجئنا إليه فقال: ويحكم اذهبوا إلى دجلة فأول سفينة تجدوها فارغة منحدرة فأتونى بملاحها واحتفظوا بالسفينة. فذهبنا سراعا فوجدنا ملاحا في سميرية فارغة منحدرا فأتينا به الخليفة فلما رأى الملاح الخليفة كاد أن يتلف، فصاح به الخليفة صيحة عظيمة فكادت روح الملاح تخرج فقال له الخليفة: ويحك يا ملعون، اصدقنى عن قصتك مع المرأة التي قتلتها اليوم وإلا ضربت عنقك قال فتلعثم ثم قال: نعم يا أمير المؤمنين كنت اليوم سحرا في مشرعتى الفلانية، فنزلت امرأة لم أر مثلها وعليها ثياب فاخرة وحلى كثير وجوهر، فطمعت فيها واحتلت عليها فشددت فاها وغرقتها وأخذت جميع ما كان عليها من الحلي والقماش، وخشيت أن أرجع به إلى منزلي فيشتهر خبرها، فأردت الذهاب به إلى واسط فلقيني هؤلاء الخدم فأخذونى. فقال:
وأين حليها؟ فقال: في صدر السفينة تحت البواري. فأمر الخليفة عند ذلك بإحضار الحلي فجيء به فإذا هو حلى كثير يساوى أموالا كثيرة، فأمر الخليفة بتغريق الملاح في المكان الّذي غرق فيه المرأة، وأمر أن ينادى على أهل المرأة ليحضروا حتى يتسلموا مال المرأة. فنادى بذلك ثلاثة أيام في أسواق بغداد وأزقتها فحضروا بعد ثلاثة أيام فدفع إليهم ما كان من الحلي وغيره مما كان للمرأة، ولم يذهب منه شيء. فقال له خدمه: يا أمير المؤمنين من أين علمت هذا؟ قال: رأيت في نومي تلك الساعة شيخا أبيض الرأس واللحية والثياب وهو ينادى: يا أحمد يا أحمد، خذ أول ملاح ينحدر الساعة فاقبض عليه وقرره عن خبر المرأة التي قتلها اليوم وسلبها، فأقم عليه الحد. وكان ما شاهدتم.
وقال جعيف السمرقندي الحاجب: كنت مع مولاي المعتضد في بعض متصيداته وقد انقطع عن العسكر وليس معه غيري، إذ خرج علينا أسد فقصد قصدنا فقال لي المعتضد: يا جعيف أفيك خير اليوم؟ قلت: لا والله. قال: ولا أن تمسك فرسي وأنزل أنا؟ فقلت: بلى. قال: فنزل عن فرسه وغرز أطراف ثيابه في منطقته واستل سيفه ورمى بقرابه إلى ثم تقدم إلى الأسد فوثب الأسد عليه فضربه بالسيف فأطار يده فاشتغل الأسد بيده فضربه ثانية على هامته ففلقها، فخر الأسد صريعا فدنا منه فمسح سيفه في صوفه ثم أقبل إلى فأغمد سيفه في قرابه، ثم ركب فرسه فذهبنا إلى العسكر. قال وصحبته إلى أن مات فما سمعته ذكر ذلك لأحد، فما أدرى من أي شيء أعجب؟ من شجاعته أم من عدم احتفاله بذلك حيث لم يذكره لأحد؟ أم من عدم عتبة على حيث ضننت بنفسي عنه؟ والله ما عاتبني في ذلك قط.
وروى ابن عساكر عن أبى الحسين النوري أنه اجتاز بزورق فيه خمر مع ملاح، فقال: ما هذا؟ ولمن هذا؟ فقال له: هذه خمر للمعتضد. فصعد أبو الحسين إليها فجعل يضرب الدنان بعمود في يده حتى كسرها كلها إلا دنا واحدا تركه، واستغاث الملاح فجاءت الشرطة فأخذوا أبا الحسين فأوقفوه بين يدي المعتضد فقال له: ما أنت؟ فقال أنا المحتسب. فقال: ومن ولاك الحسبة؟ فقال: الّذي ولاك الخلافة يا أمير المؤمنين. فأطرق رأسه ثم رفعها فقال: ما الّذي حملك على ما فعلت؟ فقال: شفقة عليك لدفع الضرر عنك. فأطرق رأسه ثم رفعه فقال: ولأى شيء تركت منها دنا واحدا لم تكسره؟ فقال: لأني إنما أقدمت عليها فكسرتها إجلالا لله تعالى، فلم أبال أحدا حتى انتهيت إلى هذا الدن دخل نفسي إعجاب من قبيل أنى قد أقدمت على مثلك فتركته، فقال له المعتضد: اذهب فقد أطلقت يدك فغير ما أحببت أن تغيره من المنكر. فقال له النوري: الآن انتقض عزمي عن التغيير، فقال:
ولم؟ فقال: لأني كنت أغير عن الله، وأنا الآن أغير عن شرطي. فقال: سل حاجتك. فقال:
أحب أن تخرجني من بين يديك سالما. فأمر به فأخرج فصار إلى البصرة، فأقام بها مختفيا خشية أن يشق عليه أحد في حاجة عند المعتضد. فلما توفى المعتضد رجع إلى بغداد وذكر القاضي أبو الحسن محمد بن عبد الواحد الهاشمي عن شيخ من التجار قال: كان لي على بعض الأمراء مال كثير فماطلني ومنعني حقي، وجعل كلما جئت أطالبه حجبنى عنه ويأمر غلمانه يؤذوننى، فاشتكيت عليه إلى الوزير فلم يفد ذلك شيئا، وإلى أولياء الأمر من الدولة فلم يقطعوا منه شيئا، وما زاده ذلك إلا منعا وجحودا، فأيست من المال الّذي عليه ودخلني هم من جهته، فبينما أنا كذلك وأنا حائر إلى من أشتكى، إذ قال لي رجل: ألا تأتى فلانا الخياط - إمام مسجد هناك -[فقلت وما عسى أن يصنع خياط مع هذا الظالم. وأعيان الدولة لم يقطعوا فيه؟ فقال لي: هو أقطع وأخوف عنده من جميع من اشتكيت إليه، فاذهب إليه لعلك أن تجد عنده فرجا. قال فقصدته غير محتفل في أمره، فذكرت له حاجتي ومالي وما لقيت من هذا الظالم، فقام معى فحين عاينه الأمير قام إليه وأكرمه واحترمه وبادر إلى قضاء حقي الّذي عليه فأعطانيه كاملا من غير أن يكون منه إلى الأمير كبير أمر، غير أنه قال له: ادفع إلى هذا الرجل حقه وإلا أذنت. فتغير لون الأمير ودفع إلى حقي] [١].
قال التاجر: فعجبت من ذلك الخياط مع رثاثة حاله وضعف بنيته كيف انطاع ذلك الأمير له، ثم إني عرضت عليه شيئا من المال فلم يقبل منى شيئا، وقال: لو أردت هذا لكان لي من الأموال مالا يحصى. فسألته عن خبره وذكرت له تعجبي منه وألححت عليه فقال: إن سبب ذلك أنه كان عندنا في جوارنا أمير تركي من أعالى الدولة، وهو شاب حسن، فمر به ذات يوم امرأة حسناء قد خرجت من الحمام وعليها ثياب مرتفعة ذات قيمة، فقام إليها وهو سكران فتعلق بها يريدها على نفسها ليدخلها منزله، وهي تأبى عليه وتصيح بأعلى صوتها: يا مسلمين أنا امرأة ذات زوج، وهذا رجل يريدني على نفسي ويدخلني منزله، وقد حلف زوجي بالطلاق أن لا أبيت في غير منزله، ومتى بت هاهنا طلقت منه ولحقني بسبب ذلك عار لا تدحضه الأيام ولا تغسله المدامع. قال الخياط: فقمت إليه فأنكرت عليه وأردت خلاص المرأة من يديه فضربني بدبوس في يده فشج رأسي، وغلب المرأة على نفسها وأدخلها منزله قهرا، فرجعت أنا فغسلت الدم عنى وعصبت رأسي وصليت بالناس العشاء ثم قلت للجماعة: إن هذا قد فعل ما قد علمتم فقوموا معى إليه لننكر عليه وتخلص المرأة منه، فقام الناس معى فهجمنا عليه داره فثار إلينا في جماعة من غلمانه بأيديهم العصي والدبابيس يضربون الناس، وقصدني هو من بينهم فضربني ضربا شديدا مبرحا حتى أدمانى، وأخرجنا من منزله ونحن في غاية الإهانة، فرجعت إلى منزلي وأنا لا أهتدى إلى الطريق من شدة الوجع وكثرة الدماء، فنمت على فراشي فلم يأخذنى نوم، وتحيرت ماذا أصنع حتى أنقذ المرأة من يده في الليل لترجع فتبيت في منزلها حتى لا يقع على زوجها الطلاق، فألهمت أن أؤذن الصبح في أثناء الليل لكي يظن أن الصبح قد طلع فيخرجها من منزله فتذهب إلى منزل زوجها، فصعدت المنارة وجعلت انظر إلى باب داره وأنا أتكلم على عادتي قبل الأذان هل أرى المرأة قد خرجت ثم أذنت فلم تخرج، ثم صممت على أنه إن لم تخرج أقمت الصلاة حتى يتحقق الصباح، فبينا أنا انظر هل تخرج المرأة أم لا، إذ امتلأت الطريق فرسانا ورجالة وهم يقولون: أين الّذي أذن هذه الساعة؟ فقلت: ها أنا ذا، وأنا أريد أن يعينوني عليه، فقالوا: انزل، فنزلت فقالوا: أجب أمير المؤمنين، فأخذونى وذهبوا بى لا أملك من نفسي شيئا، حتى أدخلونى عليه، فلما رأيته جالسا في مقام الخلافة ارتعدت من الخوف وفزعت فزعا شديدا، فقال: ادن، فدنوت فقال لي: ليسكن روعك وليهدأ قلبك. وما زال يلاطفني حتى اطمأننت وذهب خوفي، فقال: أنت الّذي أذنت هذه الساعة؟ قلت: نعم يا أمير المؤمنين. فقال: ما حملك على أن أذنت هذه الساعة، وقد بقي من الليل أكثر مما مضى منه؟ فتغر بذلك الصائم والمسافر والمصلى وغيرهم. فقلت: يؤمنني أمير المؤمنين حتى أقص عليه خبري؟ فقال: أنت آمن. فذكرت له القصة. قال: فغضب غضبا شديدا، وأمر بإحضار ذلك الأمير والمرأة من ساعته على أي حالة كانا فاحضرا سريعا فبعث بالمرأة إلى زوجها مع نسوة من جهته ثقات ومعهن ثقة من جهته أيضا، وأمره أن يأمر زوجها بالعفو والصفح عنها والإحسان إليها، فإنها مكرهة ومعذورة. ثم أقبل على ذلك الشاب الأمير فقال له: كم لك من الرزق؟ وكم عندك من المال؟ وكم عندك من الجوار والزوجات؟ فذكر له شيئا كثيرا. فقال له: ويحك أما كفاك ما أنعم الله به عليك حتى انتهكت حرمة الله وتعديت حدوده وتجرأت على السلطان، وما كفاك ذلك أيضا حتى عمدت إلى رجل أمرك بالمعروف ونهاك عن المنكر فضربته وأهنته وأدميته؟ فلم يكن له جواب. فأمر به فجعل في رجله قيد وفي عنقه غل ثم أمر به فأدخل في جوالق ثم أمر به فضرب بالدبابيس ضربا شديدا حتى خفت، ثم أمر به فألقى في دجلة فكان ذلك آخر العهد به. ثم أمر بدرا صاحب الشرطة أن يحتاط على ما في داره من الحواصل والأموال التي كان يتناولها من بيت المال، ثم قال لذلك الرجل الصالح الخياط: كلما رأيت منكرا صغيرا كان أو كبيرا ولو على هذا - وأشار إلى صاحب الشرطة - فأعلمني، فان اتفق اجتماعك بى وإلا فعلى ما بيني وبينك الأذان، فأذن في أي وقت كان أو في مثل وقتك هذا. قال: فلهذا لا آمر أحدا من هؤلاء الدولة بشيء إلا امتثلوه، ولا أنهاهم عن شيء إلا تركوه خوفا من المعتضد.
وما احتجت أن أؤذن في مثل تلك الساعة إلى الآن.
وذكر الوزير عبيد الله بن سليمان بن وهب قال: كنت يوما عند المعتضد وخادم واقف على رأسه يذب عنه بمذبة في يده إذ حركها فجاءت في قلنسوة الخليفة فسقطت عن رأسه، فأعظمت أنا ذلك جدا وخفت من هول ما وقع، ولم يكترث الخليفة لذلك، بل أخذ قلنسوته فوضعها على رأسه ثم قال لبعض الخدم: مر هذا البائس ليذهب لراحته فإنه قد نعس، وزيدوا في عدة من يذب بالنوبة قال الوزير: فأخذنا في الثناء على الخليفة والشكر له على حلمه، فقال: إن هذا البائس لم يتعمد ما وقع منه وإنما نعس، وليس العتاب والمعاتبة إلا على المتعمد لا على المخطئ والساهي. وقال جعيف السمرقندي الحاجب: لما جاء الخبر إلى المعتضد بموت وزيره عبيد الله بن سليمان خر ساجدا طويلا، فقيل له:
يا أمير المؤمنين: لقد كان عبيد الله يخدمك وينصح لك. فقال: إنما سجدت شكرا لله أنى لم أعز له ولم أوذه. وقد كان ابن سليمان حازم الرأى قويا، وأراد أن يولى مكانه أحمد بن محمد بن الفرات فعدل به بدر صاحب الشرطة عنه وأشار عليه بالقاسم بن عبيد الله فسفّه رأيه فألح عليه فولاه وبعث إليه يعزيه في أبيه ويهنيه بالوزارة، فما لبث القاسم بن عبيد الله حتى ولى المكتفي الخلافة من بعد أبيه المعتضد وحتى قتل بدرا. وكان المعتضد ينظر إلى ما بينهما من العداوة من وراء ستر رقيق، وهذه فراسة عظيمة وتوسم قوى. ورفع يوما إلى المعتضد قوما يجتمعون على المعصية فاستشار وزيره في أمرهم فقال:
ينبغي أن يصلب بعضهم ويحرق بعضهم. فقال: ويحك لقد بردت لهب غضبى عليهم بقسوتك، أما علمت أن الرعية وديعة الله عند سلطانها، وأنه سائله عنها؟ ولم يقابلهم بما قال الوزير. ولهذه النية لما ولى الخلافة كان بيت المال صفرا من المال وكانت الأحوال فاسدة، والعرب تعيث في الأرض فسادا في كل جهة، فلم يزل برأيه وتسديده حتى كثرت الأموال وصلحت الأحوال في سائر الأقاليم والآفاق. ومن شعره في جارية له توفيت فوجد عليها:
وقال فيها:
وكتب إليه ابن المعتز يعزيه ويسليه عن مصيبته فيها:
وقد رثى أبو العباس عبد الله بن المعتز العباسي بن عمر المعتضد بمرثاة حسنة يقول فيها:
ذكرها ابن عساكر في تاريخه. واجتمع ليلة عند المعتضد ندماؤه فلما انقضى السمر وصار إلى حظاياه ونام القوم السمار نبههم من نومهم خادم وقال: يقول لكم أمير المؤمنين إنه أصابه أرق بعدكم، وقد عمل بيتا أعياه ثانية فمن عمل ثانيه فله جائزة وهو هذا البيت:
قال فجلس القوم من فرشهم يفكرون في ثانيه فبدر واحد منهم فقال:
قال فلما رجع الخادم به إلى المعتضد وقع منه موقعا جيدا وأمر له بجائزة سنية، واستعظم المعتضد يوما من بعض الشعراء قول الحسن بن منير المازني البصري:
ولما كان في ربيع الأول من هذه السنة اشتد وجع المعتضد فاجتمع رءوس الأمراء مثل يونس الخادم وغيره إلى الوزير القاسم بن عبيد الله فأشاروا بأن يجتمع الناس لتجديد البيعة للمكتفى بالله على بن المعتضد بالله، ففعل ذلك وتأكدت البيعة وكان في ذلك خير كثير. وحين حضرت المعتضد الوفاة أنشد لنفسه:
وكانت وفاته ليلة الاثنين لثمان بقين من ربيع الأول من هذه السنة. ولم يبلغ الخمسين. وكانت خلافته تسع سنين وتسعة أشهر وثلاثة عشر يوما. وخلف من الأولاد الذكور. عليا المكتفي، وجعفر المقتدر، وهارون. ومن البنات إحدى عشرة بنتا. ويقال سبع عشرة بنتا. وترك في بيت المال سبعة عشر ألف ألف دينار. وكان يمسك عن صرف الأموال في غير وجهها، فلهذا كان بعض الناس يبخله، ومن الناس من يجعله من الخلفاء الراشدين المذكورين في الحديث، حديث جابر بن سمرة فالله أعلم.