انتقل إلى المحتوى

البداية والنهاية (ط. السعادة)/ثم دخلت سنة تسعين وستمائة من الهجرة/ذكر فتح عكا وبقية السواحل

ملاحظات: القاهرة: مطبعة السعادة (1351 هـ)، الجزء 13، الصفحات ٣٢٠–٣٢٤

​

ذكر فتح عكا وبقية السواحل

وفيها جاء البريد إلى دمشق في مستهل ربيع الأول لتجهيز آلات الحصار لعكا، ونودي في دمشق الغزاة في سبيل الله إلى عكا، وقد كان أهل عكا في هذا الحين عدوا على من عندهم من تجار المسلمين فقتلوهم وأخذوا أموالهم، فأبرزت المناجيق إلى ناحية الجسورة، وخرجت العامة والمتطوعة يجرون في العجل حتى الفقهاء والمدرسين والصلحاء، وتولى ساقها الأمير علم الدين الدويدارى، وخرجت العساكر بين يدي نائب الشام، وخرج هو في آخرهم، ولحقه صاحب حماة الملك المظفر وخرج الناس من كل صوب، واتصل بهم عسكر طرابلس، وركب الأشرف من الديار المصرية بعساكره قاصدا عكا، فتوافت الجيوش هنالك، فنازلها يوم الخميس رابع ربيع الآخر ونصبت عليها المناجيق من كل ناحية يمكن نصبها عليها، واجتهدوا غاية الاجتهاد في محاربتها والتضييق على أهلها، واجتمع الناس بالجوامع لقراءة صحيح البخاري، فقرأه الشيخ شرف الدين الفزاري، فحضر القضاة والفضلاء والأعيان. وفي أثناء محاصرة عكا وقع تخبيط من نائب الشام حسام الدين لاجين، فتوهم أن السلطان يريد مسكه، وكان قد أخبره بذلك الأمير الّذي يقال له أبو خرص، فركب هاربا فرده علم الدين الدويدارى بالمساء به وجاء به إلى السلطان فطيب قلبه وخلع عليه ثم ​أمسكه بعد ثلاثة أيام وبعثه إلى قلعة صفد واحتاط على حواصله، ورسم على أستاذ داره بدر الدين بكداش، وجرى ما لا يليق وقوعه هنالك، إذ الوقت وقت عسر وضيق وحصار. وصمم السلطان على الحصار فرتب الكوسات ثلاثمائة حمل، ثم زحف يوم الجمعة سابع عشر جمادى الأولى ودقت الكوسات جملة واحدة عند طلوع الشمس، وطلع المسلمون على الأسوار مع طلوع الشمس، ونصبت السناجق الإسلامية فوق أسوار البلد، فولت الفرنج عند ذلك الأدبار، وركبوا هاربين في مراكب التجار، وقتل منهم عدد لا يعلمه إلا الله تعالى، وغنموا من الأمتعة والرقيق والبضائع شيئا كثيرا جدا، وأمر السلطان بهدمها وتخريبها، بحيث لا ينتفع بها بعد ذلك، فيسر الله فتحها نهار جمعة، كما أخذتها الفرنج من المسلمين في يوم الجمعة، وسلمت صور وصيدا قيادتهما إلى الأشرف، فاستوثق الساحل للمسلمين، وتنظف من الكافرين، ﴿فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾.

وجاءت البطاقة إلى دمشق بذلك ففرح المسلمون، ودقت البشائر في سائر الحصون، وزينت البلاد ليتنزه فيها الناظرون والمتفرجون، وأرسل السلطان إلى صور أميرا فهدم أسوارها وعفا آثارها.

وقد كان لها في أيدي الفرنج من سنة ثمان عشرة وخمسمائة. وأما عكا فقد كان الملك الناصر يوسف بن أيوب أخذها من أيدي الفرنج، ثم إن الفرنج جاءوا فأحاطوا بها بجيوش كثيرة، ثم جاء صلاح الدين ليمانعهم عنها مدة سبعة وثلاثين شهرا، ثم آخر ذلك استملكوها وقتلوا من كان فيها من المسلمين، كما تقدم ذلك.

ثم إن السلطان الملك الأشرف خليل بن المنصور قلاوون سار من عكا قاصدا دمشق في أبهة الملك وحرمة وافرة، وفي صحبته وزيره ابن السلعوس والجيوش المنصورة، وفي هذا اليوم استناب بالشام الأمير علم الدين سنجر الشجاعي، وسكن بدار السعادة، وزيد في إقطاعه حرستا ولم تقطع لغيره، وإنما كانت لمصالح حواصل القلعة، وجعل له في كل يوم ثلاثمائة على دار الطعام، وفوض إليه أن يطلق من الخزانة ما يريد من غير مشاورة ولا مراجعة، وأرسله السلطان إلى صيدا لأنه كان قد بقي بها برج عصى، ففتحه ودقت البشائر بسببه، ثم عاد سريعا إلى السلطان فودعه، وسار السلطان نحو الديار المصرية في أواخر رجب، وبعثه إلى بيروت ليفتحها فسار إليها ففتحها في أقرب وقت، وسلمت عثلية وانطرطوس وجبيل. ولم يبق بالسواحل ولله الحمد معقل للفرنج إلا بأيدي المسلمين، وأراح الله منهم البلاد والعباد، ودخل السلطان إلى القاهرة في تاسع شعبان في أبهة عظيمة جدا، وكان يوما مشهودا. وأفرج عن بدر الدين بيسرى بعد سجن سبع سنين. ورجع علم الدين سنجر الشجاعي نائب دمشق إلى دمشق في سابع عشرين الشهر المذكور، وقد نظف السواحل من الفرنج بالكلية، ولم يبق لهم بها حجر. وفي رابع رمضان أفرج عن حسام الدين لاجين من قلعة صفد ومعه جماعة ​أمراء، ورد عليهم إقطاعاتهم، وأحسن إليهم وأكرمهم.

وفي أوائل رمضان طلب القاضي بدر الدين ابن جماعة من القدس الشريف وهو حاكم به، وخطيب فيه، على البريد إلى الديار المصرية فدخلها في رابع عشره، وأفطر ليلتئذ عند الوزير ابن السلعوس وأكرمه جدا واحترمه، وكانت ليلة الجمعة، فصرح الوزير بعزل تقى الدين ابن بنت الاعز وتولية ابن جماعة بالديار المصرية قضاء القضاة، وجاء القضاة إلى تهنئته وأصبح الشهود بخدمته، ومع القضاء خطابة الجامع الأزهر، وتدريس الصالحية، وركب في الخلعة والطرحة ورسم لبقية القضاة أن يستمروا بلبس الطرحات، وذهب فخطب بالجامع الأزهر، وانتقل إلى الصالحية ودرس بها في الجمعة الأخرى وكان درسا حافلا، ولما كان يوم الجمعة رسم السلطان للحاكم بأمر الله أن يخطب هو بنفسه الناس يومئذ وأن يذكر في خطبته أنه قد ولى السلطنة للأشرف خليل بن المنصور، فلبس خلعة سوداء وخطب الناس بالخطبة التي كان خطب بها في الدولة الظاهرية، وكانت من إنشاء الشيخ شرف الدين المقدسي في سنة ستين وستمائة، فيكون بين الخطبتين أزيد من ثلاثين سنة، وذلك بجامع قلعة الجبل، ثم استمر ابن جماعة يخطب بالقلعة عند السلطان، وكان يستنيب في الجامع الأزهر.

وأما ابن بنت الأعز فناله من الوزير إخراق ومصادرة وإهانة بالغة، ولم يترك له من مناصبه شيئا، وكان بيده سبعة عشر منصبا، منها القضاء والخطابة ونظر الأحباس ومشيخة الشيوخ، ونظر الخزانة وتداريس كبار، وصادره بنحو من أربعين ألف، غير مراكبه وأشياء كثيرة، ولم يظهر منه استكانة له ولا خضوع، ثم عاد فرضى عنه وولاه تدريس الشافعيّ، وعملت ختمة عند قبر المنصور في ليلة الاثنين رابع ذي القعدة وحضرها القضاة والأمراء، ونزل السلطان ومعه الخليفة إليهم وقت السحر، وخطب الخليفة بعد الختمة خطبة بليغة، حرض الناس على غزو بلاد العراق واستنقاذها من أيدي التتر، وقد كان الخليفة قبل ذلك محتجبا فرآه الناس جهرة، وركب في الأسواق بعد ذلك.

وعمل أهل دمشق ختمة عظيمة بالميدان الأخضر إلى جانب القصر الأبلق، فقرئت ختمات كثيرة ثم خطب الناس بعدها الشيخ عز الدين القاروني، ثم ابن البزوري، ثم تكلم من له عادة بالكلام وجاءت البريدية بالتهيؤ لغزو العراق، ونودي في الناس بذلك، وعملت سلاسل عظام بسبب الجسورة على دجلة بغداد، وحصلت الأجور على المقصود وإن لم يقع المقصود، وحصل لبعض الناس أذى بسبب ذلك.

وفيها نادى نائب الشام الشجاعي أن لا تلبس امرأة عمامة كبيرة، وخرب الأبنية التي على نهر بانياس والجداول كلها والمسالح والسقايات التي على الأنهار كلها، وأخرب جسر الزلابية وما عليه من الدكاكين، ونادى أن لا يمشى أحد بعد العشاء الآخرة، ثم أطلق لهم هذه فقط، وأخرب الحمام ​الّذي كان بناه الملك السعيد ظاهر باب النصر، ولم يكن بدمشق أحسن منه، ووسع الميدان الأخضر من ناحية الشمال مقدار سدسه، ولم يترك بينه وبين النهر الا مقدارا يسيرا، وعمل هو بنفسه والأمراء بحيطانه.

وفيها حبس جمال الدين آقوش الأفرم المنصوري وأميرا آخر معه في القلعة.

وفيها حمل الأمير علم الدين الدويدارى إلى الديار المصرية مقيدا. وقد نظم الشيخ شهاب الدين محمود قصيدة في فتح عكا.

الحمد لله زالت دولة الصلب
وعز بالترك دين المصطفى العربيّ
هذا الّذي كانت الآمال لو طلبت
رؤياه في النوم لاستحيت من الطلب
ما بعد عكا وقد هدت قواعدها
في البحر للترك عند البر من أرب
لم يبق من بعدها للكفر إذ خربت
في البحر والبر ما ينجى سوى الهرب
أم الحروب فكم قد أنشأت فتنا
شاب الوليد بها هولا ولم تشب
يا يوم عكا لقد أنسيت ما سبقت
به الفتوح وما قد خط في الكتب
لم يبلغ النطق حد الشكر فيك فما
عسى يقوم به ذو الشعر والأدب
أغضبت عبّاد عيسى إذ أبدتهم
لله أي رضى في ذلك الغضب
وأشرف الهادي المصطفى البشير على
ما أسلف الأشرف السلطان من قرب
فقر عينا لهذا الفتح وابتهجت
ببشره الكعبة الغراء في الحجب
وسار في الأرض سيرا قد سمعت به
فالبر في طرب، والبحر في حرب

وهي طويلة جدا، وله ولغيره في فتح عكا أشعار كثيرة. ولما رجع البريد أخبر بأن السلطان لما عاد إلى مصر خلع على وزيره ابن السلعوس جميع ملابسه التي كانت عليه، ومركوبة الّذي كان تحته، فركبه ورسم له بثمانية وسبعين ألفا من خزانة دمشق، ليشترى له بها قرية قرحتا من بيت المال.

وفي هذه السنة انتهت عمارة قلعة حلب بعد الخراب الّذي أصابها من هولاكو وأصحابه عام ثمان وخمسين. وفيها في شوال شرع في عمارة قلعة دمشق وبناء الدور السلطانية والطارمة والقبة الزرقاء، حسب ما رسم به السلطان الأشرف خليل بن قلاوون لنائبه علم الدين سنجر الشجاعي.

وفيها في رمضان أعيد إلى نيابة القلعة الأمير أرجواش وأعطى إقطاعات سنية. وفيها أرسل الشيخ الرجيحى من ذرية الشيخ يونس مضيقا عليه محصورا إلى القاهرة، وفيها درس عز الدين القاروني بالمدرسة النجيبية عوضا عن كمال الدين ابن خلكان، وفي ذلك اليوم درس نجم الدين مكي بالرواحية ​ عوضا عن ناصر الدين ابن المقدسي، وفيه درس كمال الدين الطبيب بالمدرسة الدخوارية الطبية، وفي هذا الشهر درس الشيخ جلال الدين الخبازى بالخاتونية البرانية، وجمال الدين بن الناصر بقي بالفتحية، وبرهان الدين الإسكندري بالقوصية التي بالجامع، والشيخ نجم الدين الدمشقيّ بالشريفية عند حارة الغرباء. وفيها أعيدت الناصرية إلى الفارقيّ وفيه درس بالأمينية القاضي نجم الدين ابن صصريّ بعد ابن الزملكانى، وأخذت منه العادلية الصغيرة لكمال الدين ابن الزملكانى.