انتقل إلى المحتوى

البداية والنهاية (ط. السعادة)/ثم دخلت سنة اثنتين وستين وسبعمائة/خروج السلطان من دمشق قاصدا مصر

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
ملاحظات: القاهرة: مطبعة السعادة (1351 هـ)، الجزء 14، الصفحات ٢٨٨–٢٩٠
 

خروج السلطان من دمشق قاصدا مصر

ولما كان يوم الجمعة عاشر شهر شوال خرج طلب يلبغا الخاصكى صبيحته في تجمل عظيم لم ير الناس في هذه المدد مثله، من نجائب وجنائب ومماليك وعظمة هائلة، وكانت عامة الاطلاب قد تقدمت قبله بيوم، وحضر السلطان إلى الجامع الأموي قبل أذان الظهر، فصلى في مشهد عثمان هو ومن معه من أمراء المصريين، ونائب الشام، وخرج من فوره من باب النصر ذاهبا نحو الكسوة والناس في الطرقات والأسطحة على العادة، وكانت الزينة قد بقي أكثرها في الصاغة والخواصين وباب البريد إلى هذا اليوم، فاستمرت نحو العشرة أيام.

وفي يوم السبت حادي عشر شوال خلع على الشيخ علاء الدين الأنصاري بإعادة الحسبة إليه وعزل عماد الدين ابن السيرجى، وخرج المحمل يوم الخميس سادس عشر شوال على العادة، والأمير مصطفى البيري. وتوفى يوم الخميس ويوم الجمعة أربعة أمراء بدمشق، وهم طشتمر وفر طيبغا الفبل، ونوروز أحد مقدمي الألوف، وتمر المهمندار، وقد كان مقدم ألف، وحاجب الحجاب وعمل نيابة غزة في وقت، ثم تعصب عليه المصريون فعزلوه عن الامرة، وكان مريضا فاستمر مريضا إلى أن توفى يوم الجمعة، ودفن يوم السبت بتربته التي أنشأها بالصوفية، لكنه لم يدفن فيها بل على بابها كأنه مودع أو ندم على بنائها فوق قبور المسلمين رحمه الله.

وتوفى الأمير ناصر الدين بن لاقوش يوم الاثنين العشرين من شوال ودفن بالقبيبات، وقد ناب ببعلبكّ وبحمص، ثم قطع خبره هو وأخوه كحلن ونفوا عن البلد إلى بلدان شتى، ثم رضى عنهم الأمير يلبغا وأعاد عليهم أخبارا بطبلخانات، فما لبث ناصر الدين إلا يسيرا حتى توفى إلى رحمة الله تعالى، وقد أثر آثارا حسنة كثيرة منها عند عقبة الرمانة خان مليح نافع، وله ببعلبكّ جامع وحمام وخان وغير ذلك، وله من العمر ست وخمسون سنة.

وفي يوم الأحد السادس والعشرين منه درس القاضي نور الدين محمد بن قاضى القضاة بهاء الدين ابن أبى البقاء الشافعيّ بالمدرسة الاتابكية، نزل له عنها والده بتوقيع سلطاني، وحضر عنده القضاة والأعيان، وأخذ في قوله تعالى ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ﴾ وفي هذا اليوم درس القاضي نجم الدين أحمد بن عثمان النابلسي الشافعيّ المعروف بابن الجابي بالمدرسة العصرونية استنزل له عنها القاضي أمين الدين بن القلانسي في مصادراته. وفي صبيحة يوم الاثنين التاسع والعشرين من شوال درس القاضي ولى الدين عبد الله بن القاضي بهاء الدين أبى البقاء بالمدرستين الرواحية ثم القيمرية، نزل له عنهما والده المذكور بتوقيع سلطاني، وحضر عنده فيهما القضاة والأعيان.

وفي صبيحة يوم الخميس سلخ شوال شهر الشيخ أسد بن الشيخ الكردي على جمل وطيف به في حواضر البلد ونودي عليه: هذا جزاء من يخامر على السلطان ويفسد نواب السلطان، ثم أنزل عن الجمل وحمل على حمار وطيف به في البلد ونودي عليه بذلك، ثم ألزم السجن وطلب منه مال جزيل وقد كان المذكور من أعوان بيدمر المتقدم ذكره وأنصاره، وكان هو المتسلم للقلعة في أيامه.

وفي صبيحة يوم الاثنين حادي عشر ذي القعدة خلع على قاضى القضاة بدر الدين بن أبى الفتح بقضاء العسكر الّذي كان متوفرا عن علاء الدين بن شمرنوخ، وهنأه الناس بذلك وركب البغلة بالزنارى مضافا إلى ما بيده من نيابة الحكم والتدريس. وفي يوم الاثنين ثامن عشره أعيد تدريس الركنية بالصالحية إلى قاضى القضاة شرف الدين الكفري الحنفي، استرجعها بمرسوم شريف سلطاني، من يد القاضي عماد الدين بن العز، وخلع على الكفري، وذهب الناس إليه للتهنئة بالمدرسة المذكورة.

وفي شهر ذي الحجة اشتهر وقوع فتن بين الفلاحين بناحية عجلون، وأنهم اقتتلوا فقتل من الفريقين اليمنى والقيسي طائفة، وأن عين حيتا التي هي شرقى عجلون دمرت وخربت، وقطع أشجارها ودمرت بالكلية. وفي صبيحة يوم السبت الثاني والعشرين من ذي الحجة لم تفتح أبواب دمشق إلى ما بعد طلوع الشمس، فأنكر الناس ذلك، وكان سببه الاحتياط على أمير يقال له كسبغا، كان يريد الهرب إلى بلاد الشرق، فاحتيط عليه حتى أمسكوه.

وفي ليلة الأربعاء السادس والعشرين من ذي الحجة قدم الأمير سيف الدين طاز من القدس فنزل بالقصر الأبلق، وقد عمى من الكحل حين كان مسجونا بالإسكندرية، فأطلق كما ذكرنا، ونزل ببيت المقدس مدة، ثم جاءه تقليد بأنه يكون ظرخانا ينزل حيث شاء من بلاد السلطان، غير أنه لا يدخل ديار مصر، فجاء فنزل بالقصر الأبلق، وجاء الناس إليه على طبقاتهم - نائب السلطنة فمن دونه - يسلمون عليه وهو لا يبصر شيئا، وهو على عزم أن يشترى أو يستكرى له دارا بدمشق يسكنها. انتهى والله سبحانه وتعالى أعلم.