البداية والنهاية (ط. السعادة)/ثم دخلت سنة اثنتين وأربعين وسبعمائة/كائنة غريبة جدا(1)
كائنة غريبة جدا
وفي ليلة الأحد عشية السبت نزل الأمير سيف الدين قطلوبغا الفخرى بظاهر دمشق بين الجسورة وميدان الحصى بالاطلاب الذين جاءوا معه من البلاد المصرية لمحاصرة الكرك للقبض على ابن السلطان الأمير أحمد بن الناصر، فمكثوا على الثنية محاصرين مضيقين عليه إلى أن توجه نائب الشام إلى حلب، ومضت هذه الأيام المذكورة، فما دري الناس إلا وقد جاء الفخرى وجموعه، وقد بايعوا الأمير أحمد وسموه الناصر بن الناصر، وخلعوا بيعة أخيه الملك الأشرف علاء الدين كجك واعتلوا بصغره، وذكروا إن أتابكة الأمير سيف الدين قوصون الناصري قد عدي على ابني السلطان فقتلهما خنقا ببلاد الصعيد: جهز إليهما من تولى ذلك، وهما الملك المنصور أبو بكر ورمضان، فتنكر الأمير بسبب ذلك، وقالوا هذا يريد أن يجتاح هذا البيت ليتمكن هو من أخذ المملكة، فحموا لذلك وبايعوا ابن أستاذهم وجاءوا في الذهاب خلف الجيش ليكونوا عونا للأمير سيف الدين طشتمر نائب حلب ومن معه، وقد كتبوا إلى الأمراء يستميلونهم إلى هذا، ولما نزلوا بظاهر دمشق خرج إليهم من بدمشق من الأكابر والقضاة والمباشرين، مثل والى البر ووالى المدينة وابن سمندار وغيرهم، فلما كان الصباح خرج أهالي دمشق عن بكرة أبيهم، على عادتهم في قدوم السلاطين، ودخول الحجاج، بل أكثر من ذلك من بعض الوجوه، وخرج القضاة والصاحب والأعيان والولاة وغيرهم، ودخل الأمير سيف الدين قطلوبغا في دست نيابة السلطنة التي فوضها إليه الملك الناصر الجديد وعن يمينه الشافعيّ، وعن شماله الحنفي على العادة، والجيش كله محدق به في الحديد، والعقارات والبوقات والنشابة السلطانية والسناجق الخليفية والسلطانية تخفق، والناس في الدعاء والثناء للفخري، وهم في غاية الاستبشار والفرح، وربما نال بعض جهلة الناس من النائب الآخر الّذي ذهب إلى حلب، ودخلت الأطلاب بعده على ترتيبهم، وكان يوما مشهودا، فنزل شرقى دمشق قريبا من خان لاجين، وبعث في هذا اليوم فرسم على القضاة والصاحب، وأخذ من أموال الأيتام وغيرها خمسمائة ألف، وعوضهم عن ذلك بقرية من بيت المال، وكتب بذلك سجلات، واستخدم جيدا، وانضاف إليه من الأمراء الذين كانوا قد تخلفوا بدمشق جماعة منهم تمر الساقي مقدم، وابن قراسنقر وابن الكامل وابن المعظم وابن البلدي وغيرهم، وبايع هؤلاء كلهم مع مباشري دمشق للملك الناصر بن الناصر، وأقام الفخرى على خان لاجين، وخرج المتعيشون بالصنائع إلى عندهم وضربت البشائر بالقلعة صبيحة يوم الثلاثاء سادس عشر الشهر، ونودي بالبلد إن سلطانكم الملك الناصر أحمد بن الناصر محمد بن قلاوون، ونائبكم سيف الدين قطلوبغا الفخرى، وفرح كثير من الناس بذلك، وانضاف إليه نائب صغد وبايعه نائب بعلبكّ، واستخدموا له رجالا وجندا، ورجع إليه الأمير سيف الدين سنجر الجمقدار رأس الميمنة بدمشق، وكان قد تأخر في السفر عن تائب دمشق علاء الدين الطنبغا، بسبب مرض عرض له، فلما قدم الفخرى رجع إليه وبايع الناصر ابن الناصر، ثم كاتب نائب حماة تغردمر الّذي ناب بمصر للملك المنصور، فأجابه إلى ذلك وقدم على العسكر يوم السبت السابع والعشرين من الشهر المذكور، في تجمل عظيم وخزائن كثيرة، وثقل هائل.
وفي صبيحة يوم الأحد الثامن والعشرين من الشهر المذكور كسفت الشمس قبل الظهر، وفي صبيحة يوم الاثنين التاسع والعشرين من جمادى الآخرة، قدم نائب غزة الأمير آقسنقر في جيش غزة، وهو قريب من ألفين، فدخلوا دمشق وقت الفجر وغدوا إلى معسكر الفخرى، فانضافوا إليهم ففرحوا بهم كثيرا، وصار في قريب من خمسة آلاف مقاتل أو يزيدون.
استهل شهر رجب الفرد والجماعة من أكابر التجار مطلوبون بسبب أموال طلبها منهم الفخرى، يقوى بها جيشه الّذي معه، ومبلغ ذلك الّذي أراده منهم ألف ألف درهم، ومعه مرسوم الناصر بن الناصر ببيع أملاك الأمير سيف الدين قوصون، أتابك الملك الأشرف علاء الدين كجك، ابن الناصر التي بالشام، بسبب إبائه عن مبايعة أحمد بن الناصر، فأشار على الفخرى من أشار بأن يباع للتجار من أملاك الخاص، ويجعل مال قوصون من الخاص، فرسم بذلك، وأن يباع للتجار قرية دويه قومت بألف ألف وخمسمائة ألف، ثم لطف الله وأفرج عنهم بعد ليلتين أو ثلاث، وتعوضوا عن ذلك بحواصل قوصون، واستمر الفخرى بمن معه ومن أضيف إليه من الأمراء والأجناد مقيمين بثنية العقاب، واستخدم من رجال البقاع جماعة كثيرة أكثر من ألف رام، وأميرهم يحفظ أفواه الطرق، وأزف قدوم الأمير علاء الدين طنبغا بمن معه من عساكر دمشق، وجمهور الحلبيين وطائفة الطرابلسيين، وتأهب هؤلاء لهم. فلما كان الحادي من الشهر اشتهر أن الطنبغا وصل إلى القسطل وبعث طلائعه فالتقت بطلائع الفخرى، ولم يكن بينهم قتال ولله الحمد والمنة وأرسل الفخرى إلى القضاة ونوابهم وجماعة من الفقهاء فخرجوا ورجع الشافعيّ من أثناء الطريق، فلما وصلوا أمرهم بالسعي بينه وبين الطنبغا في الصلح، وأن يوافق الفخرى في أمره، وأن يبايع الناصر بن الناصر، فأبى فردهم إليه غير مرة، وكل ذلك يمتنع عليهم، فلما كان يوم الاثنين رابع عشره عند العصر جاء بريد إلى متولى البلد عند العصر من جهة الفخرى يأمره بغلق أبواب البلد، فغلقت الأبواب، وذلك لان العساكر توجهوا وتواقفوا للقتال، ف ﴿إِنّا لِلّهِ وَإِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ﴾.
وذلك أن الطنبغا لما علم أن جماعة قطلوبغا على ثنية العقاب دار الذروة من ناحية المعيصرة، وجاء بالجيوش من هناك، فاستدار له الأمير سيف الدين قطلوبغا الفخرى بجماعته إلى ناحيته، ووقف له في طريقه، وحال بينه وبين الوصول إلى البلد، وانزعج الناس انزعاجا عظيما، وغلقت القياسر والأسواق وخاف الناس بعضهم من بعض أن يكون نهب، فركب متولى البلد الأمير ناصر الدين بن بكباشى ومعه أولاده ونوابه والرجالة، فسار في البلد وسكن الناس ودعوا له، فلما كان قريب المغرب فتح لهم باب الجابية ليدخل من هو من أهل البلد، فجرت في الباب على ما قيل زحمة عظيمة، وتسخط الجند على الناس في هذه الليلة، واتفق أنها ليلة الميلاد، وبات المسلمون مهمومون بسبب العسكر واختلافهم فأصبحت أبواب البلد مغلقة في يوم الثلاثاء سوى باب الجابية، والأمر على ما هو عليه، فلما كان عشية هذا اليوم تقارب الجيشان واجتمع الطنبغا وأمراؤه، واتفق أمراء دمشق وجمهورهم الذين هم معه على أن لا يقاتلوا مسلما ولا يسلوا في وجه الفخرى وأصحابه سيفا، وكان قضاة الشام قد ذهبوا إليه مرارا للصلح، فيأبى عليهم إلا الاستمرار على ما هو عليه، وقويت نفسه عليه انتهى. والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب.