انتقل إلى المحتوى

البداية والنهاية (ط. السعادة)/ثم دخلت سنة إحدى وستين ومائة/وممن توفى فيها/أبو دلامة

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
ملاحظات: القاهرة: مطبعة السعادة (1351 هـ)، الجزء 10، الصفحات ١٣٤–١٣٥
 

أبو دلامة

زيد بن الجون الشاعر الماجن، أحد الظرفاء، أصله من الكوفة وأقام ببغداد وحظي عند المنصور لأنه كان يضحكه وينشده الأشعار ويمدحه، حضر يوما جنازة امرأة المنصور - وكانت ابنة عمه - يقال لها حمادة بنت عيسى، وكان المنصور قد حزن عليها، فلما سووا عليها التراب وكان أبو دلامة حاضرا، فقال له المنصور: ويحك يا أبا دلامة، ما أعددت لهذا اليوم؟ فقال: ابنة عم أمير المؤمنين. فضحك المنصور حتى استلقى، ثم قال: ويحك فضحتنا. ودخل يوما على المهدي يهنئه بقدومه من سفره وأنشده:

إني حلفت لئن رأيتك سالما
وبقرى العراق وأنت ذو وفر
لتصلين على النبي محمد
ولتملأن دراهما حجري

فقال المهدي: أما الأول فنعم، نصلي على النبي محمد ، وأما الثاني فلا. فقال: يا أمير المؤمنين هما كلمتان فلا تفرق بينهما. فأمر أن يملأ حجره دراهم، ثم قال له: قم! فقال: ينخرق منها قميصي فأفرغت منه في أكياسها ثم قام فحملها وذهب. وذكر عنه ابن خلكان أنه مرض ابن له فداواه طبيب فلما عوفي قال له: ليس عندنا ما نعطيك، ولكن ادّع على فلان اليهودي بمبلغ ما تستحقه عندنا من أجرتك حتى أشهد أنا وولدى عليه بالمبلغ المذكور. قال: فذهب الطبيب إلى قاضى الكوفة محمد ابن عبد الرحمن بن أبى ليلى - وقيل ابن شبرمة - فادعى عليه عنده فأنكر اليهودي فشهد عليه أبو دلامة وابنه، فلم يستطع القاضي أن يرد شهادتهما وخاف من طلب التزكية فأعطى الطبيب المدعى المال من عنده وأطلق اليهودي. وجمع القاضي بين المصالح. توفى أبو دلامة في هذه السنة، وقيل إنه أدرك خلافة الرشيد سنة سبعين فالله أعلم.