انتقل إلى المحتوى

البداية والنهاية (ط. السعادة)/ثم دخلت سنة إحدى وستين/فصل

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
ملاحظات: القاهرة: مطبعة السعادة (1351 هـ)، الجزء 8، الصفحات ١٩٨–٢٠٣
 

فصل

وكان مقتل الحسين رضي الله عنه يوم الجمعة، يوم عاشوراء من المحرم سنة إحدى وستين. وقال هشام بن الكلبي، سنة ثنتين وستين، وبه قال على بن المديني. وقال ابن لهيعة: سنة ثنتين أو ثلاث وستين. وقال غيره سنة ستين. والصحيح الأول. بمكان من الطّفّ يقال له كربلاء من أرض العراق وله من العمر ثمان وخمسون سنة أو نحوها، وأخطأ أبو نعيم في قوله: إنه قتل وله من العمر خمس أو ست وستون سنة قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الصمد بن حسان ثنا عمارة - يعنى ابن زاذان - عن ثابت عن أنس قال: «استأذن ملك القطر أن يأتى النبي فأذن له، فقال لأم سلمة: احفظى علينا الباب لا يدخل علينا أحد، فجاء الحسين بن على فوثب حتى دخل، فجعل يصعد على منكب النبي ، فقال الملك: أنحبه؟ قال! نعم: فقال: إن أمتك تقتله، وإن شئت أريتك المكان الّذي يقتل فيه، قال: فضرب بيده فأراه ترابا أحمر، فأخذت أم سلمة ذلك التراب فصرته في طرف ثوبها». قال: فكنا نسمع أنه يقتل بكربلاء *

وقال الامام أحمد: حدثنا وكيع حدثني عبد الله ابن سعيد عن أبيه عن عائشة - أو أم سلمة - أن رسول الله قال: «لقد دخل على البيت ملك لم يدخل قبلها، فقال لي: إن ابنك هذا حسين مقتول، وإن شئت أريتك الأرض التي يقتل بها، قال: فأخرج تربة حمراء». وقد روى هذا الحديث من غير وجه عن أم سلمة. ورواه الطبراني عن أبى أمامة وفيه قصة أم سلمة. ورواه محمد بن سعد عن عائشة بنحو رواية أم سلمة فالله أعلم. وروى ذلك من حديث زينب بنت جحش ولبابة أم الفضل امرأة العباس. وأرسله غير واحد من التابعين.

وقال أبو القاسم البغوي: حدثنا محمد بن هارون أبو بكر ثنا إبراهيم بن محمد الرقى وعلى بن الحسن الرازيّ قالا: ثنا سعيد بن عبد الملك أبو واقد الحراني ثنا عطاء بن مسلم ثنا أشعث بن سحيم عن أبيه قال سمعت أنس بن الحارث يقول سمعت رسول الله يقول: «إن ابني - يعنى الحسين - يقتل بأرض يقال لها كربلاء، فمن شهد منكم ذلك فلينصره». قال: فخرج أنس بن الحارث إلى كربلاء فقتل مع الحسين، قال: ولا أعلم رواه غيره.

وقال الامام أحمد: حدثنا محمد بن عبيد ثنا شراحيل بن مدرك عن عبد الله بن يحيى عن أبيه أنه سار مع على - وكان صاحب مطهرته - فلما جاءوا نينوى وهو منطلق إلى صفين، فنادى على: اصبر أبا عبد الله، اصبر أبا عبد الله، بشط الفرات قلت: وماذا تريد؟ قال: «دخلت على رسول الله ذات يوم وعيناه تفيضان فقلت: ما أبكاك يا رسول الله؟ قال: بلى قام من عندي جبريل قبل، فحدثني أن الحسين يقتل بشط الفرات، قال فقال: هل لك أن أشمك من تربته؟ قال: فمد يده فقبض قبضة من تراب فأعطانيها فلم أملك عيني أن فاضتا». تفرد به أحمد.

وروى محمد بن سعد عن على بن محمد عن يحيى بن زكريا عن رجل عن عامر الشعبي عن على مثله.

وقد روى محمد بن سعد وغيره من غير وجه عن على بن أبى طالب أنه مرّ بكربلاء عند أشجار الحنظل وهو ذاهب إلى صفين، فسأل عن اسمها فقيل كربلاء، فقال: كرب وبلاء، فنزل وصلّى عند شجرة هناك ثم قال: يقتل هاهنا شهداء هم خير الشهداء غير الصحابة، يدخلون الجنة بغير حساب، - وأشار إلى مكان هناك - فعلموه بشيء فقتل فيه الحسين. وقد روى عن كعب الأحبار آثار في كربلاء وقد حكى أبو الجناب الكلبي وغيره أن أهل كربلاء لا يزالون يسمعون نوح الجن على الحسين وهن يقلن: -

مسح الرسول جبينه
فله بريق في الخدود
أبواه من عليا قريش
جده خير الجدود

وقد أجابهم بعض الناس فقال: -

خرجوا به وفدا إليه
فهم له شر الوفود
قتلوا ابن بنت نبيهم
سكنوا به ذات الخدود

وروى ابن عساكر أن طائفة من الناس ذهبوا في غزوة إلى بلاد الروم فوجدوا في كنيسة مكتوبا

أترجو أمة قتلت حسينا
شفاعة جده يوم الحساب؟

فسألوهم: من كتب هذا؟ فقالوا: إن هذا مكتوب هاهنا من قبل مبعث نبيكم بثلاثمائة سنة.

وروى أن الذين قتلوه رجعوا فباتوا وهم يشربون الخمر والرأس معهم، فبرز لهم قلم من حديد فرسم لهم في الحائط بدم هذا البيت

أترجو أمة قتلت حسينا
شفاعة جده يوم الحساب؟

وقال الامام أحمد: حدثنا عبد الرحمن وعفان ثنا حماد بن سلمة عن عمار بن أبى عمار عن ابن عباس. قال: «رأيت رسول الله في المنام نصف النهار أشعث أغبر، معه قارورة فيها دم، فقلت: بأبي وأمى يا رسول الله ما هذا؟ قال: هذا دم الحسين وأصحابه لم أزل ألتقطه منذ اليوم». قال عمار: فأحصينا ذلك اليوم فوجدناه قد قتل في ذلك اليوم. تفرد به أحمد وإسناده قوى.

وقال ابن أبى الدنيا: حدثنا عبد الله بن محمد بن هانئ أبو عبد الرحمن النحويّ ثنا مهدي ابن سليمان ثنا على بن زيد بن جدعان. قال: استيقظ ابن عباس من نومه فاسترجع وقال: قتل الحسين والله، فقال له أصحابه: لم يا ابن عباس؟ فقال: «رأيت رسول الله ومعه زجاجة من دم فقال: أتعلم ما صنعت أمتى من بعدي؟ قتلوا الحسين وهذا دمه ودم أصحابه أرفعهما إلى الله».

فكتب ذلك اليوم الّذي قال فيه، وتلك الساعة، فما لبثوا إلا أربعة وعشرين يوما حتى جاءهم الخبر بالمدينة أنه قتل في ذلك اليوم وتلك الساعة. وروى الترمذي عن أبى سعيد الأشج عن أبى خالد الأحمر عن رزين عن سلمى قالت: دخلت على أم سلمة وهي تبكى فقلت: ما يبكيك؟ فقالت:

رأيت رسول الله وعلى رأسه ولحيته التراب، فقلت: ما لك يا رسول الله؟ قال: «شهدت قتل الحسين آنفا» وقال محمد بن سعد: أخبرنا محمد بن عبد الله الأنصاري أنبأنا قرة بن خالد أخبرنى عامر بن عبد الواحد عن شهر بن حوشب قال: إنا لعند أم سلمة زوج النبي فسمعنا صارخة فأقبلت حتى انتهت إلى أم سلمة فقالت: قتل الحسين. فقالت: قد فعلوها، ملأ الله قبورهم - أو بيوتهم - عليهم نارا، ووقعت مغشيا عليها، وقمنا. وقال الامام أحمد: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي ثنا ابن مسلم عن عمار قال: سمعت أم سلمة قالت: سمعت الجن يبكين على الحسين وسمعت الجن تنوح على الحسين. رواه الحسين بن إدريس عن هاشم بن هاشم عن أمه عن أم سلمة قالت: سمعت الجن ينحن على الحسين وهن يقلن.

أيها القاتلون جهلا حسينا
أبشروا بالعذاب والتنكيل
كل أهل السماء يدعو عليكم
ونبي ومرسل وقبيل
قد لعنتم على لسان ابن داود
وموسى وصاحب الإنجيل

وقد روى من طريق أخرى عن أم سلمة بشعر غير هذا فالله أعلم.

وقال الخطيب: أنبأنا أحمد بن عثمان بن ساج السكرى ثنا محمد بن عبد الله بن إبراهيم الشافعيّ ثنا محمد بن شداد المسمعي ثنا أبو نعيم ثنا عبيد الله بن حبيب بن أبى ثابت عن أبيه عن سعيد بن جبير عن ابن عباس. قال: «أوحى الله تعالى إلى محمد إني قتلت بيحيى بن زكريا سبعين ألفا، وأنا قاتل بابن بنتك سبعين ألفا وسبعين ألفا». هذا حديث غريب جداً، وقد رواه الحاكم في مستدركه. وقد ذكر الطبراني هاهنا آثارا غريبة جدا، ولقد بالغ الشيعة في يوم عاشوراء، فوضعوا أحاديث كثيرة كذبا فاحشا، من كون الشمس كسفت يومئذ حتى بدت النجوم وما رفع يومئذ حجر إلا وجد تحته دم، وأن أرجاء السماء احمرت، وأن الشمس كانت تطلع وشعاعها كأنه الدم، وصارت السماء كأنها علقة، وأن الكواكب ضرب بعضها بعضاً، وأمطرت السماء دما أحمر، وأن الحمرة لم تكن في السماء قبل يومئذ، ونحو ذلك. وروى ابن لهيعة عن أبى قبيل المعافري أن الشمس كسفت يومئذ حتى بدت النجوم وقت الظهر، وأن رأس الحسين لما دخلوا به قصر الامارة جعلت الحيطان تسيل دما، وأن الأرض أظلمت ثلاثة أيام، ولم يمس زعفران ولا ورس [١] بما كان معه يومئذ إلا احترق من مسه، ولم يرفع حجر من حجارة بيت المقدس إلا ظهر تحته دم عبيط، وأن الإبل التي غنموها من إبل الحسين حين طبخوها صار لحمها مثل العلقم. إلى غير ذلك من الأكاذيب والأحاديث الموضوعة التي لا يصح منها شيء.

وأما ما روى من الأحاديث والفتن التي أصابت من قتله فأكثرها صحيح، فإنه قل من نجا من أولئك الذين قتلوه من آفة وعاهة في الدنيا، فلم يخرج منها حتى أصيب بمرض، وأكثرهم أصابهم الجنون. وللشيعة والرافضة في صفة مصرع الحسين كذب كثير وأخبار باطلة، وفيما ذكرنا كفاية، وفي بعض ما أوردناه نظر، ولولا أن ابن جرير وغيره من الحفاظ والأئمة ذكروه ما سقته، وأكثره من رواية أبى مخنف لوط بن يحيى، وقد كان شيعيا، وهو ضعيف الحديث عند الأئمة، ولكنه أخبارى حافظ، عنده من هذه الأشياء ما ليس عند غيره، ولهذا يترامى عليه كثير من المصنفين في هذا الشأن ممن بعده والله أعلم.

وقد أسرف الرافضة في دولة بنى بويه في حدود الأربعمائة وما حولها فكانت الدبادب تضرب ببغداد ونحوها من البلاد في يوم عاشوراء، ويذر الرماد والتبن في الطرقات والأسواق، وتعلق المسوح على الدكاكين، ويظهر الناس الحزن والبكاء، وكثير منهم لا يشرب الماء ليلتئذ موافقة للحسين لانه قتل عطشانا. ثم تخرج النساء حاسرات عن وجوههن ينحن ويلطمن وجوههن وصدورهن، حافيات في الأسواق إلى غير ذلك من البدع الشنيعة، والأهواء الفظيعة، والهتائك المخترعة وإنما يريدون بهذا وأشباهه أن يشنعوا على دولة بنى أمية، لانه قتل في دولتهم.

[وقد عاكس الرافضة والشيعة يوم عاشوراء النواصب من أهل الشام، فكانوا إلى يوم عاشوراء يطبخون الحبوب ويغتسلون ويتطيبون ويلبسون أفخر ثيابهم ويتخذون ذلك اليوم عيداً يصنعون فيه أنواع الأطعمة، ويظهرون السرور والفرح، يريدون بذلك عناد الروافض ومعاكستهم] (١).

وقد تأول عليه من قتله أنه جاء ليفرق كلمة المسلمين بعد اجتماعها وليخلع من بايعه من الناس واجتمعوا عليه، وقد ورد في صحيح مسلم الحديث بالزجر عن ذلك، والتحذير منه، والتوعد عليه وبتقدير أن تكون طائفة من الجهلة قد تأوّلوا عليه وقتلوه ولم يكن لهم قتله، بل كان يجب عليهم إجابته إلى ما سأل من تلك الخصال الثلاثة المتقدم ذكرها، فإذا ذمت طائفة من الجبارين تذم الأمة كلها بكمالها وتتهم على نبيها ، فليس الأمر كما ذهبوا إليه، ولا كما سلكوه، بل أكثر الأئمة قديما وحديثا كاره ما وقع من قتله وقتل أصحابه، سوى شرذمة قليلة من أهل الكوفة قبحهم الله، وأكثرهم كانوا قد كاتبوه ليتوصلوا به إلى أغراضهم ومقاصدهم الفاسدة [فلما علم ذلك ابن زياد منهم بلغهم ما يريدون من الدنيا وآخذهم على ذلك وحملهم عليه بالرغبة والرهبة، فانكفوا عن الحسين وخذلوه ثم قتلوه] (٢). وليس كل ذلك الجيش كان راضيا بما وقع من قتله، بل ولا يزيد بن معاوية رضى بذلك والله أعلم، ولا كرهه، والّذي يكاد يغلب على الظن أن يزيد لو قدر عليه قبل أن يقتل لعفا عنه كما أوصاه بذلك أبوه، وكما صرح هو به مخبرا عن نفسه بذلك. [وقد لعن ابن زياد على فعله ذلك وشتمه فيما يظهر ويبدو، ولكن لم يعزله على ذلك ولا عاقبه ولا أرسل يعيب عليه ذلك والله أعلم] (١).

فكل مسلم ينبغي له أن يحزنه قتله رضي الله عنه، فإنه من سادات المسلمين، وعلماء الصحابة وابن بنت رسول الله التي هي أفضل بناته، وقد كان عابدا وشجاعا وسخيا، ولكن لا يحسن ما يفعله الشيعة من إظهار الجزع والحزن الّذي لعل أكثره تصنع ورياء، وقد كان أبوه أفضل منه فقتل، وهم لا يتخذون مقتله مأتما كيوم مقتل الحسين، فان أباه قتل يوم الجمعة وهو خارج إلى صلاة الفجر في السابع عشر من رمضان سنة أربعين، وكذلك عثمان كان أفضل من على عند أهل السنة والجماعة، وقد قتل وهو محصور في داره في أيام التشريق من شهر ذي الحجة سنة ست وثلاثين، وقد ذبح من الوريد إلى الوريد، ولم يتخذ الناس يوم قتله مأتما، وكذلك عمر بن الخطاب وهو أفضل من عثمان وعلى، قتل وهو قائم يصلى في المحراب صلاة الفجر ويقرأ القرآن، ولم يتخذ الناس يوم قتله مأتما، وكذلك الصديق كان أفضل منه ولم يتخذ الناس يوم وفاته مأتما، ورسول الله سيد ولد آدم في الدنيا والآخرة، وقد قبضه الله إليه كما مات الأنبياء قبله، ولم يتخذ أحد يوم موتهم مأتما يفعلون فيه ما يفعله هؤلاء الجهلة من الرافضة يوم مصرع الحسين. [ولا ذكر أحد أنه ظهر يوم موتهم وقبلهم شيء مما ادعاه هؤلاء يوم مقتل الحسين من الأمور المتقدمة، مثل كسوف الشمس والحمرة التي تطلع في السماء وغير ذلك] (٢).

وأحسن ما يقال عند ذكر هذه المصائب وأمثالها ما

رواه على بن الحسين عن جده رسول الله أنه قال: «ما من مسلم يصاب بمصيبة فيتذكرها وإن تقادم عهدها فيحدث لها استرجاعا إلا أعطاه الله من الأجر مثل يوم أصيب منها». رواه الإمام أحمد وابن ماجة.

  1. كذا بالأصل ولعلها: مما.