انتقل إلى المحتوى

البداية والنهاية (ط. السعادة)/ثم دخلت سنة إحدى وسبعين وستمائة

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
ملاحظات: القاهرة: مطبعة السعادة (1351 هـ)، الجزء 13، الصفحات ٢٦٣–٢٦٤
 

ثم دخلت سنة إحدى وسبعين وستمائة

في خامس المحرم وصل الظاهر دمشق من بلاد السواحل التي فتحها وقد مهدها، وركب في أواخر المحرم إلى القاهرة فأقام بها سنة ثم عاد فدخل دمشق في رابع صفر، وفي المحرم منها وصل صاحب النوبة إلى عيذاب فنهب تجارها وقتل خلقا من أهلها، منهم الوالي والقاضي، فسار إليه الأمير علاء الدين آيدغدي الخزندار فقتل خلقا من بلاده ونهب وحرق وهدم ودوخ البلاد، وأخذ بالثأر ولله الحمد والمنة.

وفي ربيع الأول توفى الأمير سيف الدين محمد بن مظفر الدين عثمان بن ناصر الدين منكورس صاحب صهيون، ودفن في تربة والده في عشر السبعين، وكان له في ملك صهيون وبرزيه إحدى عشرة سنة، وتسلمها بعده ولده سابق الدين، وأرسل إلى الملك الظاهر يستأذنه في الحضور فأذن له، فلما حضر أقطعه خيزا وبعث إلى البلدين نوابا من جهته.

وفي خامس جمادى الآخرة وصل السلطان بعسكره إلى الفرات لانه بلغه أن طائفة من التتار هنالك فخاض إليهم الفرات بنفسه وجنده، وقتل من أولئك مقتلة كبيرة وخلقا كثيرا، وكان أول من اقتحم الفرات يومئذ الأمير سيف الدين قلاوون وبدر الدين بيسرى وتبعهما السلطان، ثم فعل بالتتار ما فعل، ثم ساق إلى ناحية البيرة وقد كانت محاصرة بطائفة من التتار أخرى، فلما سمعوا بقدومه هربوا وتركوا أموالهم وأثقالهم، ودخل السلطان إلى البيرة في أبهة عظيمة وفرق في أهلها أموالا كثيرة، ثم عاد إلى دمشق في ثالث جمادى الآخرة ومعه الأسرى. وخرج منها في سابعه إلى الديار المصرية، وخرج ولده الملك السعيد لتلقيه ودخلا إلى القاهرة، وكان يوما مشهودا. ومما قاله القاضي شهاب الدين محمود الكاتب، وأولاده يقال لهم بنو الشهاب محمود، في خوض السلطان الفرات بالجيش:

سر حيث شئت لك المهيمن جار
واحكم فطوع مرادك الأقدار

لم يبق للدين الّذي أظهرته
يا ركنه عند الأعادي ثار
لما تراقصت الرءوس تحركت
من مطربات قسيك الأوتار
خضت الفرات بعسكر أفضى به
موج الفرات كما أتى الآثار
حملتك أمواج الفرات ومن رأى
بحرا سواك تقله الأنهار
وتقطعت فرقا ولم يك طودها
إذ ذاك إلا جيشك الجرار

وقال بعض من شاهد ذلك:

ولما تراءينا الفرات بخيلنا
سكرناه منا بالقنا والصوارم
ولجنا فأوقف التيار عن جريانه
إلى حين عدنا بالغنى والغنائم

وقال آخر ولا بأس به:

الملك الظاهر سلطاننا
نفديه بالأموال والأهل
اقتحم الماء ليطفى به
حرارة القلب من المغل

وفي يوم الثلاثاء ثالث رجب خلع على جميع الأمراء من حاشيته ومقدمي الحلقة وأرباب الدولة وأعطى كل إنسان ما يليق به من الخيل والذهب والحوائص، وكان مبلغ ما أنفق بذلك نحو ثلاثمائة ألف دينار. وفي شعبان أرسل السلطان إلى منكوتمر هدايا عظيمة، وفي يوم الاثنين ثانى عشر شوال استدعى السلطان شيخه الشيخ خضر الكردي إلى بين يديه إلى القلعة وحوقق على أشياء كثيرة ارتكبها، فأمر السلطان عند ذلك باعتقاله وحبسه، ثم أمر باغتياله وكان آخر العهد به. وفي ذي القعدة سلمت الإسماعيلية ما كان بقي بأيديهم من الحصون وهي الكهف والقدموس والمنطقة، وعوضوا عن ذلك باقطاعات، ولم يبق بالشام شيء لهم من القلاع، واستناب السلطان فيها. وفيها أمر السلطان بعمارة جسورة في السواحل، وغرم عليها مالا كثيرا، وحصل للناس بذلك رفق كبير.