البداية والنهاية (ط. السعادة)/ثم دخلت سنة إحدى وتسعين وستمائة/فتح قلعة الروم
فتح قلعة الروم
وفي ربيع الأول منها توجه السلطان الأشرف بالعساكر نحو الشام فقدم دمشق ومعه وزيره ابن السلعوس فاستعرض الجيوش وأنفق فيهم أموالا جزيلة، ثم سار بهم نحو بلاد حلب، ثم سار إلى قلعة الروم فافتتحها بالسيف قهرا في يوم السبت حادي عشر رجب، وجاءت البشارة بذلك إلى دمشق، وزينت البلد سبعة أيام وبارك الله لجيش المسلمين في سعيهم، وكان يوم السبت إلبا على أهل يوم الأحد، وكان الفتح بعد حصار عظيم جدا، مدة ثلاثين يوما، وكانت المنجنيقات تزيد على ثلاثين منجنيقا، واستشهد من الأمراء شرف الدين بن الخطير، وقد قتل من أهل البلد خلق كثير وغنم المسلمون منها شيئا كثيرا، ثم عاد السلطان إلى دمشق وترك الشجاعي بقلعة الروم يعمرون ما وهى من قلعتها بسبب رمى المنجنيقات عليها وقت الحصار، وكان دخوله إلى دمشق بكرة يوم الثلاثاء تاسع عشر شعبان، فاحتفل الناس لدخوله ودعوا له وأحبوه، وكان يوما مشهودا بسط له كما يبسط له إذا قدم من الديار المصرية، وإنما كان ذلك بإشارة ابن السلعوس، فهو أول من بسط له، وقد كسر أبوه التتر على حمص ولم يبسط له، وكذلك الملك الظاهر كسر التتر والروم على البلستين، وفي غير موطن ولم يبسط له، وهذه بدعة شنعاء قد أحدثها هذا الوزير للملوك، وفيها إسراف وضياع مال وأشر وبطر ورياء وتكليف للناس، وأخذ أموال ووضعها في غير مواضعها، والله سبحانه سائله عنها، وقد ذهب وتركها يتوارثها الملوك والناس عنه، وقد حصل للناس بسبب ذلك ظلم عظيم، فليتق العبد ربه ولا يحدث في الإسلام بسبب هواه ومراد نفسه ما يكون سبب مقت الله له، وإعراضه عنه، فان الدنيا لا تدوم لأحد، ولا يدوم أحد فيها والله سبحانه أعلم.
وكان ملك قلعة الروم مع السلطان أسيرا، وكذلك رءوس أصحابه، فدخل بهم دمشق وهم يحملون رءوس أصحابهم على رءوس الرماح، وجهز السلطان طائفة من الجيش نحو جبل كسروان والجزر بسبب ممالأتهم للفرنج قديما على المسلمين، وكان مقدم العساكر بندار وفي صحبته سنقر الأشقر، وأقر سنقر المنصوري الّذي كان نائب حلب فعزله عنها السلطان وولى مكانه سيف الدين بلبان البطاحى المنصوري، وجماعة آخرون من الأمراء الكبار، فلما أحاطوا بالجبل ولم يبق إلا دمار أهليه حملوا في الليل إلى بندار حملا كثيرا ففتر في قضيتهم، ثم انصرف بالجيوش عنهم وعادوا إلى السلطان، فتلقاهم السلطان وترجل السلطان إلى الأمير بندار وهو نائبة على مصر، ثم ابن السلعوس نبه السلطان على فعل بندار فلامه وعنفه، فمرض من ذلك مرضا شديدا أشفى به على الموت حتى قيل إنه مات، ثم عوفي فعمل ختمة عظيمة بجامع دمشق حضرها القضاة والأعيان، وأشغل الجامع نظير ليلة النصف من شعبان، وكان ذلك ليلة العشر الأول من رمضان، وأطلق السلطان أهل الحبوس وترك بقية الضمان عن أرباب الجهات السلطانية، وتصدق عنه بشيء كثير، ونزل هو عن ضمانات كثيرة كان قد حاف فيها على أربابها، وقد امتدح الشهاب محمود الملك الأشرف خليل على فتحه قلعة الروم بقصيدة هائلة فاضلة أولها:
حذفت منها أشياء كثيرة.
وفيها تولى خطابة دمشق الشيخ عز الدين أحمد الفاروثيّ الواسطي بعد وفاة زين الدين بن المرحل وخطب واستسقى بالناس فلم يسقوا، ثم خطب مرة ثانية بعد ذلك بأيام عند مسجد القدم، فلم يسقوا ثم ابتهل الناس من غير دعاية واستسقاءة فسقوا، ثم عزل الفاروثيّ بعد أيام بالخطيب موفق الدين أبى المعالي محمد بن محمد بن محمد بن عبد المنعم بن حسن المهرانى الحموي، كان خطيب حماة ثم نقل إلى دمشق في هذه السنة، فقام وخطب وتألم الفاروثيّ لذلك ودخل على السلطان واعتقد أن الوزير عزله من غير علمه، فإذا هو قد شعر لذلك واعتذر بأنه إنما عزله لضعفه، فذكر له أنه يصلى ليلة النصف مائة ركعة بمائة قل هو الله أحد، فلم يقبلوا واستمروا بالحموي. وهذه دناءة وقلة عقل وعدم إخلاص من الفاروثيّ، وأصاب السلطان في عزله.
وفي هذا اليوم قبض السلطان على الأمير سنقر الأشقر وغيره فهرب هو والأمير حسام الدين لاجين السلحدارى، فنادت عليه المنادية بدمشق: من أحضره فله ألف دينار، ومن أخفاه شنق، وركب السلطان ومماليكه في طلبه، وصلى الخطيب بالناس في الميدان الأخضر، وعلى الناس كآبة بسبب تفرق الكلمة، واضطراب الجيش، واختبط الناس، فلما كان سادس شوال أمسكت العرب سنقر الأشقر فردوه على السلطان فأرسله مقيدا إلى مصر. وفي هذا اليوم ولى السلطان نيابة دمشق لعز الدين أيبك الحموي، عوضا عن الشجاعي، وقدم الشجاعي من الروم ثانى يوم عزله فتلقاه الفاروثيّ فقال: قد عزلنا من الخطابة، فقال ونحن من النيابة، فقال الفاروثيّ ﴿عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ فلما بلغ ابن السلعوس تغضب عليه وكان قد عين له القيمرية فترك ذلك، وسافر السلطان عاشر شوال إلى مصر فدخلها في أبهة الملك، وفي يوم دخوله أقطع قراسنقر مائة فارس بمصر عوضا عن نيابة حلب، وفي هذه السنة اشترى الأمير سيف الدين طغاى الأشقري قيسارية القطن المعروفة بإنشاء الملك المعظم بن العادل من بيت المال، بمرسوم من السلطان، وكان حظيا عنده، ونقل سوق الحريريين تلك المدة إليها، وكان السلطان قد أفرج عن علم الدين الدويدارى بعد رجوعه من قلعة الروم واستحضره إلى دمشق وخلع عليه واستصحبه معه إلى القاهرة، وأقطعه مائة فارس، وولاه مشد الدواوين مكرها.
وفي ذي القعدة استحضر السلطان سنقر الأشقر وطقصوا فعاقبهما فاعترفا بأنهما أرادا قتله، فسألهما عن لاجين فقالا: لم يكن معنا ولا علم له بهذا، فخنقهما وأطلقه بعد ما جعل الوتر في حلقه، وكان قد بقي له مدة لا بدّ أن يبلغها، وقد ملك بعد ذلك كما سنذكره إن شاء الله تعالى.
وفي ذي الحجة عقد الشيخ برهان الدين بن الشيخ تاج الدين عقده على بنت قاضى القضاة شهاب الدين الخويى بالبادرائية، وكان حافلا. وفيها دخل الأمير سنقر الأعسر على بنت الوزير شمس الدين بن السلعوس على صداق ألف دينار، وعجل لها خمسمائة، وفيها قفز جماعة من التتر نحوا من ثلاثمائة إلى الديار المصرية فأكرموا.