البداية والنهاية (ط. السعادة)/ثم دخلت سنة أربع وعشرين ومائة/وفيها توفى/الزهري
الزهري
محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب بن مرة، أبو بكر القرشي الزهري أحد الأعلام من أئمة الإسلام، تابعي جليل، سمع غير واحد من التابعين وغيرهم.
روى الحافظ ابن عساكر عن الزهري قال: أصاب أهل المدينة جهد شديد فارتحلت إلى دمشق، وكان عندي عيال كثيرة، فجئت جامعها فجلست في أعظم حلقة، فإذا رجل قد خرج من عند أمير المؤمنين عبد الملك، فقال: إنه قد نزل بأمير المؤمنين مسألة - وكان قد سمع من سعيد بن المسيب فيها شيئا وقد شذ عنه في أمهات الأولاد يرويه عن عمر بن الخطاب - فقلت: إني أحفظ عن سعيد بن المسيب عن عمر بن الخطاب،: فأخذني فأدخلنى على عبد الملك: فسألني ممن أنت؟ فانتسبت له، وذكرت له حاجتي وعيالي، فسألني هل تحفظ القرآن؟ قلت: نعم والفرائض والسنن، فسألني عن ذلك كله فأجبته، فقضى ديني وأمر لي بجائزة، وقال لي: اطلب العلم فانى أرى لك عينا حافظة وقلبا ذكيا، قال: فرجعت إلى المدينة أطلب العلم وأتتبعه، فبلغني أن امرأة بقباء رأت رؤيا عجيبة، فأتيتها فسألتها عن ذلك، فقالت: إن بعلي غاب وترك لنا خادما وداجنا ونخيلات، نشرب من لبنها، ونأكل من ثمرها، فبينما أنا بين النائمة واليقظى رأيت كأن ابني الكبير - وكان مشتدا - قد أقبل فأخذ الشفرة فذبح ولد الداجن، وقال: إن هذا يضيق علينا اللبن، ثم نصب القدر وقطعها ووضعها فيه، ثم أخذ الشفرة فذبح بها أخاه، وأخوه صغير كما قد جاء، ثم استيقظت مذعورة، فدخل ولدى الكبير فقال: أين اللبن؟ فقلت: يا بنى شربه ولد الداجن، فقال: إنه قد ضيق علينا اللبن، ثم أخذ الشفرة فذبحه وقطعه في القدر، فبقيت مشفقة خائفة مما رأيت، فأخذت ولدى الصغير فغيبته في بعض بيوت الجيران، ثم أقبلت إلى المنزل وأنا مشفقة جدا مما رأيت، فأخذتني عيني فنمت فرأيت في المنام قائلا يقول: ما لك مغتمة؟ فقلت: إني رأيت مناما فأنا أحذر منه فقال: يا رؤيا يا رؤيا، فأقبلت امرأة حسناء جميلة، فقال: ما أردت إلى هذه المرأة الصالحة؟ قالت: ما أردت إلا خيرا، ثم قال يا أحلام يا أحلام، فأقبلت امرأة دونها في الحسن والجمال، فقال: ما أردت إلى هذه المرأة الصالحة؟ فقالت: ما أردت إلا خيرا، ثم قال: يا أضغاث يا أضغاث، فأقبلت امرأة سوداء شنيعة فقال: ما أردت إلى هذه المرأة الصالحة؟ فقالت إنها امرأة صالحة فأحببت أن أعلمها ساعة، ثم استيقظت فجاء ابني فوضع الطعام وقال: أين أخى؟ فقلت: درج إلى بيوت الجيران، فذهب وراءه فكأنما هدى إليه، فأقبل به يقبله، ثم جاء فوضعه وجلسنا جميعا فأكلنا من ذلك الطعام.
ولد الزهري في سنة ثمان وخمسين في آخر خلافة معاوية، وكان قصيرا قليل اللحية، له شعرات طوال خفيف العارضين. قالوا: وقد قرأ القرآن في نحو من ثمان وثمانين يوما، وجالس سعيد بن المسيب ثمان سنين، تمس ركبته ركبته، وكان يخدم عبيد الله بن عبد الله يستسقى له الماء المالح، ويدور على مشايخ الحديث، ومعه ألواح يكتب عنهم فيها الحديث، ويكتب عنهم كل ما سمع منهم، حتى صار من أعلم الناس وأعلمهم في زمانه، وقد احتاج أهل عصره إليه.
وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن الزهري قال: كنا نكره كتاب العلم حتى أكرهنا عليه هؤلاء الأمراء، فرأينا أن لا نمنعه أحدا من المسلمين. وقال أبو إسحاق: كان الزهري يرجع من عند عروة فيقول لجارية عنده فيها لكنة: ثنا عروة ثنا فلان، ويسرد عليها ما سمعه منه، فتقول له الجارية: والله ما أدرى ما تقول، فيقول لها: اسكتي لكاع، فانى لا أريدك، إنما أريد نفسي. ثم وفد على عبد الملك بدمشق كما تقدم فأكرمه وقضى دينه وفرض له في بيت المال، ثم كان بعد من أصحابه وجلسائه، ثم كان كذلك عند أولاده من بعده، الوليد وسليمان، وكذا عند عمر ابن عبد العزيز، وعند يزيد بن عبد الملك، واستقضاه يزيد مع سليمان بن حبيب، ثم كان حظيا عند هشام، وحج معه وجعله معلم أولاده إلى أن توفى في هذه السنة، قبل هشام بسنة. وقال ابن وهب:
سمعت الليث يقول: قال ابن شهاب: ما استودعت قلبي شيئا قط فنسيته، قال: وكان يكره أكل التفاح وسؤر الفأرة، ويقول: إنه ينسى، وكان يشرب العسل ويقول إنه يذكى، وفيه يقول فايد بن أقرم.
وقال ابن مهدي: سمعت مالكا يقول: حدث الزهري يوما بحديث فلما قام أخذت بلجام دابته فاستفهمته فقال: أتستفهمني؟ ما استفهمت عالما قط، ولا رددت على عالم قط، ثم جعل ابن مهدي يقول فتلك الطوال وتلك المغازي.
وروى يعقوب بن سفيان عن هشام بن خالد السلامي عن الوليد بن مسلم عن سعيد - يعنى ابن عبد العزيز - أن هشام بن عبد الملك سأل الزهري أن يكتب لبنيه شيئا من حديثه، فأملى على كاتبه أربعمائة حديث ثم خرج على أهل الحديث فحدثهم بها، ثم إن هشاما قال للزهري: إن ذلك الكتاب ضاع، فقال: لا عليك، فأملى عليهم تلك الأحاديث فأخرج هشام الكتاب الأول فإذا هو لم يغادر حرفا واحدا، وإنما أراد هشام امتحان حفظه. وقال عمر بن عبد العزيز: ما رأيت أحدا أحسن سوقا للحديث إذا حدث من الزهري. وقال سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار:
ما رأيت أحدا أنص للحديث من الزهري، ولا أهون من الدينار والدرهم عنده، وما الدراهم والدنانير عند الزهري إلا بمنزلة البعر. قال عمرو بن دينار: ولقد جالست جابرا وابن عباس وابن عمر وابن الزبير فما رأيت أحدا أسيق للحديث من الزهري.
وقال الامام أحمد: أحسن الناس حديثا وأجودهم إسنادا الزهري، وقال النسائي: أحسن الأسانيد الزهري عن على بن الحسين عن أبيه عن جده على عن رسول الله ﷺ. وقال سعيد عن الزهري: مكثت خمسا وأربعين سنة أختلف من الحجاز إلى الشام، ومن الشام إلى الحجاز، فما كنت أسمع حديثا أستطرفه. وقال الليث: ما رأيت عالما قط أجمع من ابن شهاب، ولو سمعته يحدث في الترغيب والترهيب لقلت: ما يحسن غير هذا، وإن حدث عن الأنبياء وأهل الكتاب قلت لا يحسن إلا هذا، وإن حدث عن الأعراب والأنساب قلت: لا يحسن إلا هذا، وإن حدث عن القرآن والسنة كان حديثه بدعا جامعا، وكان يقول: اللهمّ إني أسألك من كل خير أحاط به علمك وأعوذ بك من كل شر أحاط به علمك في الدنيا والآخرة. قال الليث: وكان الزهري أسخى من رأيت، يعطى كل من جاء وسأله، حتى إذا لم يبق عنده شيء استسلف. وكان يطعم الناس الثريد ويسقيهم العسل، وكان يستمر على شراب العسل كما يستمر أهل الشراب على شرابهم، ويقول اسقونا وحدثونا، فإذا نعس أحدهم يقول له: ما أنت من سمار قريش، وكانت له قبة معصفرة، وعليه ملحفة معصفرة، وتحته بساط معصفر، وقال الليث قال يحيى بن سعيد: ما بقي عند أحد من العلم ما بقي عند ابن شهاب.
وقال عبد الرزاق: أنبأ معمر قال عمر بن عبد العزيز: عليكم بابن شهاب فإنه ما بقي أحد أعلم بسنة ماضية منه، وكذا قال مكحول. وقال أيوب: ما رأيت أحدا أعلم من الزهري، فقيل له:
ولا الحسن؟ فقال: ما رأيت أعلم من الزهري، وقيل لمكحول: من أعلم من لقيت؟ قال: الزهري، قيل: ثم من؟ قال الزهري، قيل ثم من؟ قال الزهري. وقال مالك: كان الزهري إذا دخل المدينة لم يحدث بها أحدا حتى يخرج. وقال عبد الرزاق عن ابن عيينة: محدثو أهل الحجاز ثلاثة، الزهري ويحيى بن سعيد وابن جريج. وقال على بن المديني: الذين أفتوا أربعة، الزهري، والحكم، وحماد وقتادة، والزهري أفقههم عندي. وقال الزهري: ثلاثة إذا كن في القاضي فليس بقاض، إذا كره الملاوم وأحب المحامد، وكره العزل. وقال أحمد بن صالح: كان يقال فصحاء زمانهم الزهري وعمر بن عبد العزيز وموسى بن طلحة وعبيد الله، ﵏. وقال مالك عن الزهري: أنه قال: إن هذا العلم الّذي أدب الله به رسول الله ﷺ، وأدب رسول الله به أمته أمانة الله إلى رسوله ليؤديه على ما أدى إليه، فمن سمع علما فليجعله أمامه حجة فيما بينه وبين الله عز وجل.
وقال محمد بن الحسين عن يونس عن الزهري قال: الاعتصام بالستة نجاة، وقال الوليد عن الأوزاعي عن الزهري قال: أمرّوا أحاديث رسول الله ﷺ كما جاءت. وقال محمد بن إسحاق عن الزهري: إن من غوائل العلم أن يترك العالم حتى يذهب علمه، وفي رواية أن يترك العالم العمل بالعلم حتى يذهب، فان من غوائله قلة انتفاع العالم بعلمه، ومن غوائله النسيان والكذب، وهو أشد الغوائل. وقال أبو زرعة عن نعيم بن حماد عن محمد بن ثور عن معمر عن الزهري قال: القراءة على العالم والسماع عليه سواء إن شاء الله تعالى.
وقال عبد الرزاق عن معمر عن الزهري قال: إذا طال المجلس كان للشيطان فيه حظ ونصيب، وقد قضى عنه هشام مرة ثمانين ألف درهم، وفي رواية سبعة عشر ألفا، وفي رواية عشرين ألفا.
وقال الشافعيّ: عتب رجاء بن حيوة على الزهري في الاسراف وكان يستدين، فقال له: لا آمن أن يحبس هؤلاء القوم ما بأيديهم عنك فتكون قد حملت على أمانيك، قال: فوعده الزهري أن يقصر، فمر به بعد ذلك وقد وضع الطعام ونصب موائد العسل، فوقف به رجاء وقال: يا أبا بكر ما هذا بالذي فارقتنا عليه، فقال له الزهري: انزل فان السخي لا تؤدبه التجارب. وقد أنشد بعضهم في هذا المعنى
وقال الواقدي: ولد الزهري سنة ثمان وخمسين، وقدم في سنة أربع وعشرين ومائة إلى أمواله بثلاث بشعب زبدا، فأقام بها فمرض هناك ومات وأوصى أن يدفن على قارعة الطريق، وكانت وفاته لسبع عشرة من رمضان في هذه السنة، وهو ابن خمس وسبعين سنة، قالوا: وكان ثقة كثير الحديث والعلم والرواية، فقيها جامعا، وقال الحسين بن المتوكل العسقلاني: رأيت قبر الزهري بشعب زبدا من فلسطين مسنما مجصصا، وقد وقف الأوزاعي يوما على قبره فقال: يا قبركم فيك من علم ومن حلم * يا قبركم فيك من علم ومن كرم * وكم جمعت روايات وأحكاما. وقال الزبير بن بكار: توفى الزهري بأمواله بشعب ثنين، ليلة الثلاثاء لسبع عشر ليلة خلت من رمضان سنة أربع وعشرين ومائة، عن ثنتين وسبعين سنة، ودفن على قارعة الطريق ليدعو له المارة، وقيل إنه توفى سنة ثلاث وعشرين ومائة، وقال أبو معشر: سنة خمس وعشرين ومائة، والصحيح الأول والله أعلم.