انتقل إلى المحتوى

البداية والنهاية (ط. السعادة)/ثم دخلت سنة أربعمائة من الهجرة

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
ملاحظات: القاهرة: مطبعة السعادة (1351 هـ)، الجزء 11، الصفحة ٣٤٢
 

ثم دخلت سنة أربعمائة من الهجرة

في ربيع الآخر منها نقصت دجلة نقصا كثيرا، حتى ظهرت جزائر لم تغرق، وامتنع سير السفن في أعاليها من أذنة والراشدية، فأمر بكرى تلك الأماكن، وفيها كمل السور على مشهد أمير المؤمنين على عليه السلام الّذي بناه أبو إسحاق الأجانى، وذلك أن أبا محمد بن سهلان مرض فنذر إن عوفي ليبنينه فعوفي. وفي رمضان أرجف الناس بالخليفة القادر بالله بأنه مات فجلس للناس يوم جمعة بعد الصلاة وعليه البردة وبيده القضيب، وجاء الشيخ أبو حامد الأسفراييني فقبل الأرض بين يديه وقرأ ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ﴾ الآيات فتباكى الناس ودعوا وانصرفوا وهم فراحا. وفيها ورد الخبر بأن الحاكم أنفذ إلى دار جعفر بن محمد الصادق بالمدينة فأخذ منها مصحفا وآلات كانت بها، وهذه الدار لم تفتح بعد موت صاحبها إلى هذا الآن، وكان مع المصحف قعب خشب مطوق بحديد ودرقة خيزران وحربة وسرير، حمل ذلك كله جماعة من العلويين إلى الديار المصرية، فأطلق لهم الحاكم أنعاما كثيرة ونفقات زائدة، ورد السرير وأخذ الباقي، وقال: أنا أحق به. فردوا وهم ذامون له داعون عليه. وبنى الحاكم فيها دارا للعلم وأجلس فيها الفقهاء، ثم بعد ثلاث سنين هدمها وقتل خلقا كثيرا ممن كان فيها من الفقهاء والمحدثين وأهل الخير. وفيها عمر الجامع المنسوب إليه بمصر وهو جامع الحاكم، وتأنق في بنائه. وفي ذي الحجة منها أعيد المؤيد هشام بن الحكم بن عبد الرحمن الأموي إلى ملكه بعد خلعه وحبسه مدة طويلة، وكانت الخطبة بالحرمين للحاكم صاحب مصر والشام.