انتقل إلى المحتوى

البداية والنهاية (ط. السعادة)/باب ذكر جماعة من أنبياء بنى إسرائيل عليهم السلام ممن لا يعلم وقت زمانهم على التعيين الا انهم بعد...

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
ملاحظات: القاهرة: مطبعة السعادة (1351 هـ)، الجزء 2، الصفحات ٤٢–٤٣
 

وهذا ذكر عمارة بيت المقدس بعد خرابها واجتماع الملأ من بنى إسرائيل بعد تفرقهم في بقاع الأرض وشعابها

قال الله تعالى في كتابه المبين وهو أصدق القائلين ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها. قالَ أَنّى يُحْيِي هذِهِ اللهُ بَعْدَ مَوْتِها فَأَماتَهُ اللهُ مِائَةَ عامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قالَ كَمْ لَبِثْتَ قالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ فَانْظُرْ إِلى طَعامِكَ وَشَرابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَاُنْظُرْ إِلى حِمارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنّاسِ وَاُنْظُرْ إِلَى الْعِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها ثُمَّ نَكْسُوها لَحْماً فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ قالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ قال هشام بن الكلبي ثم أوحى الله تعالى الى ارميا عليه السلام فيما بلغني انى عامر بيت المقدس فاخرج اليها فانزلها فخرج حتى قدمها وهي خراب فقال في نفسه سبحان الله أمرنى الله أن أنزل هذه البلدة وأخبرني انه عامرها فمتى يعمرها ومتى يحييها الله بعد موتها ثم وضع رأسه فنام ومعه حماره وسلة من طعام فمكث في نومه سبعين سنة حتى هلك نصر والملك الّذي فوقه وهو لهراسب وكان ملكه مائة وعشرين سنة وقام بعده ولده بشتاسب بن لهراسب وكان موت بخت نصّر في دولته فبلغه عن بلاد الشام انها خراب وان السباع قد كثرت في ارض فلسطين فلم يبق بها من الانس أحد فنادى في ارض بابل في بنى إسرائيل ان من شاء ان يرجع الى الشام فليرجع وملك عليهم رجلا من آل داود وامره ان يعمر بيت المقدس ويبنى مسجدها فرجعوا فعمروها وفتح الله لأرميا عينيه فنظر الى المدينة كيف تبنى وكيف تعمر ومكث في نومه ذلك حتى تمت له مائة سنة ثم بعثه الله وهو لا يظن انه نام أكثر من ساعة وقد عهد المدينة خرابا فلما نظر اليها عامرة آهلة قال أعلم أن الله على كل شيء قدير. قال فأقام بنو إسرائيل بها ورد الله عليهم أمرهم فمكثوا كذلك حتى غلبت عليهم الروم في زمن ملوك الطوائف. ثم لم يكن لهم جماعة ولا سلطان يعنى بعد ظهور النصارى عليهم. هكذا حكاه ابن جرير في تاريخه عنه. وذكر ابن جرير ان لهراسب كان ملكا عادلا سائسا لمملكته قد دانت له العباد والبلاد والملوك والقواد وانه كان ذا رأى جيد في عمارة الأمصار والأنهار والمعاقل. ثم لما ضعف عن تدبير المملكة بعد مائة سنة ونيف نزل عن الملك لولده بشتاسب فكان في زمانه ظهور دين المجوسية [١] وذلك ان رجلا كان اسمه زردشت كان قد صحب ارميا عليه السلام فأغضبه فدعا عليه ارميا فبرص زردشت فذهب فلحق بأرض آذربيجان وصحب بشتاسب فلقنه دين المجوسية الّذي اخترعه من تلقاء نفسه فقبله منه بشتاسب وحمل الناس عليه وقهرهم وقتل منهم خلقا كثيرا ممن أباه منهم * ثم كان بعد بشتاسب بهمن بن بشتاسب وهو من ملوك الفرس المشهورين والابطال المذكورين وقد ناب بخت نصّر لكل واحد من هؤلاء الثلاثة وعمر دهرا طويلا قبحه الله * والمقصود ان هذا الّذي ذكره ابن جرير من أن هذا المار على هذه القرية هو ارميا عليه السلام * قال وهب بن منبه وعبد الله بن عبيد بن عمير وغيرهما وهو قوى من حيث السباق المتقدم وقد روى عن على وعبد الله بن سلام وابن عباس والحسن وقتادة والسدي وسليمان ابن بريدة وغيرهم أنه عزير. وهذا أشهر عند كثير من السلف والخلف والله أعلم.

  1. (قوله وذلك أن رجلا كان اسمه زردشت إلخ) هذه الحكاية خلاف الواقع. بل الواقع أن زردشت هو إبراهيم الزردشت أحد الأنبياء الذين ظهروا في وادي نهر الأرس بقفقازيا المشار اليهم في= قوله تعالى {وَأَصْحابَ الرَّسِّ} فان الرس تخفيف أرس. وله الى الآن اتباع تعد بالملايين في الهند وإيران وله كتاب باللغة الفارسية القديمة مشتمل على المبادي والتعاليم والأحكام والبشارات بالأمور الآتية ‌على ‌نهج ‌سائر ‌الكتب. ‌منها ‌بشاراته بظهور الرسول عليه السلام بقوله سيظهر في العرب نبي عظيم وبعد أن يمضى من ظهور شريعته ألف سنة وكسور إذا جاء ثانيا لا يعرف أن هذه كانت شريعته انتهى ترجمته بالمعنى ويقصد بذلك أن شريعته عليه السلام بمضى الزمان يدخل فيها من البدع والاهواء وما لم يكن منها بحيث إذا رآها بعد ألف سنة لا يعرفها لكثرة ما دخل فيها من البدع. فانظر أنه لم يكتف بالبشارة بظهوره بل أخبر أيضا بما يقع في المستقبل في شريعته فهذا من جملة الأدلة على صدق نبوته كما لا يخفى على من تتبع تواريخ الأديان والمذاهب انتهى (فرج الله زكى الكردي)