انتقل إلى المحتوى

البداية والنهاية (ط. السعادة)/باب ذكر جماعة مشهورين كانوا في الجاهلية/ذكر حاتم الطائي أحد أجواد الجاهلية

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
ملاحظات: القاهرة: مطبعة السعادة (1351 هـ)، الجزء 2، الصفحات ٢١٢–٢١٧
 

ذكر حاتم الطائي أحد أجواد الجاهلية

وهو حاتم بن عبد الله بن سعد بن الحشرج بن امرئ القيس بن عدي بن أحزم بن أبى أحزم [١] واسمه هرومة بن ربيعة بن جرول بن ثعل بن عمرو بن الغوث بن طيِّئ أبو سفّانة الطائي والدعدى بن حاتم الصحابي كان جوادا ممدحا في الجاهلية وكذلك كان ابنه في الإسلام وكانت لحاتم مآثر وأمور عجيبة واخبار مستغربة في كرمه يطول ذكرها ولكن لم يكن يقصد بها وجه الله والدار الآخرة وانما كان قصده السمعة والذكر

قال الحافظ أبو بكر البزار في مسندة حدثنا محمد بن معمر حدثنا عبيد بن واقد القيسي حدثنا أبو نصر هو الناجي عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر قال ذكر حاتم عند النبي فقال ذاك أراد أمرا فأدركه (حديث غريب) قال الدارقطنيّ تفرد به عبيد بن واقد عن أبى نصر الناجي ويقال إن اسمه حماد قال ابن عساكر: وقد فرق أبو أحمد الحاكم بين أبى نصر الناجي وبين أبى نصر حماد ولم يسم الناجي ووقع في بعض روايات الحافظ ابن عساكر عن أبى نصر شيبة الناجي والله أعلم.

وقال الامام أحمد حدثنا يزيد بن إسماعيل حدثنا سفيان عن سماك بن حرب عن مري بن قطري عن عدي بن حاتم قال قلت لرسول الله : ان أبى كان يصل الرحم ويفعل ويفعل فهل له في ذلك يعنى من أجر قال ان أباك طلب شيئا فأصابه. وهكذا رواه أبو يعلى عن القواريري عن غندر عن شعبة عن سماك به. وقال: ان أباك أراد أمرا فأدركه يعنى الذكر وهكذا رواه أبو القاسم البغوي عن على بن الجعد عن شعبة به سواء وقد ثبت في الصحيح في الثلاثة الذين تسعر بهم جهنم منهم الرجل الّذي ينفق ليقال إنه كريم فيكون جزاؤه أن يقال ذلك في الدنيا وكذا في العالم والمجاهد

وفي الحديث الآخر في الصحيح أنهم سألوا رسول الله عن عبد الله بن جدعان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة فقالوا له كان يقرى الضيف ويعتق ويتصدق فهل ينفعه ذلك فقال انه لم يقل يوما من الدهر رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين هذا وقد كان من الأجواد المشهورين أيضا المطعمين في السنين الممحلة والأوقات المرملة.

وقال الحافظ أبو بكر البيهقي أنبأنا أبو عبد الله الحافظ حدثني أبو بكر محمد بن عبد الله بن يوسف العماني حدثنا أبو سعيد عبيد بن كثير بن عبد الواحد الكوفي حدثنا ضرار بن صرد حدثنا عاصم بن حميد عن أبى حمزة الثمالي عن عبد الرحمن بن جندب عن كميل بن زياد النخعي قال قال على بن أبى طالب: يا سبحان الله ما أزهد كثيرا من الناس في خير عجبا لرجل يجيئه أخوه المسلم في حاجة فلا يرى نفسه للخير أهلا فلو كان لا يرجو ثوابا ولا يخشى عقابا لكان ينبغي له أن يسارع في مكارم الأخلاق فإنها تدل على سبيل النجاح. فقام اليه رجل وقال: فداك أبى وأمى يا أمير المؤمنين أسمعته من رسول الله . قال نعم! وما هو خير منه لما

أتى بسبايا طيِّئ وقعت جارية حمراء لعساء ذلفاء عيطاء شماء الأنف معتدلة القامة والهامة درماء الكعبين خدلجة الساقين لفاء الفخذين خميصة الخصرين ضامرة الكشحين مصقولة المتنين. قال فلما رأيتها أعجبت بها وقلت لأطلبن الى رسول الله فيجعلها في فيئي فلما تكلمت أنسيت جمالها لما رأيت من فصاحتها فقالت يا محمد ان رأيت أن تخلى عنى ولا تشمت بى أحياء العرب فانى ابنة سيد قومي وان أبى كان يحمى الذمار ويفك العاني ويشبع الجائع ويكسو العاري ويقرى الضيف ويطعم الطعام ويفشي السلام ولم يرد طالب حاجة قط وأنا ابنة حاتم طيِّئ. فقال النبي : يا جارية هذه صفة المؤمنين حقا لو كان أبوك مؤمنا لترحمنا عليه خلوا عنها فان أباها كان يحب مكارم الأخلاق والله تعالى يحب مكارم الأخلاق. فقام أبو بردة بن نيار فقال يا رسول الله، والله يحب مكارم الأخلاق؟ فقال رسول الله والّذي نفسي بيده لا يدخل الجنة أحد إلا بحسن الخلق.

وقال أبو بكر بن أبى الدنيا: حدثني عمر بن بكر عن أبى عبد الرحمن الطائي - هو القاسم بن عدي - عن عثمان عن عركى بن حليس الطائي عن أبيه عن جده وكان أخا عدي بن حاتم لامه قال قيل لنوار امرأة حاتم حدثينا عن حاتم قالت كل أمره كان عجبا أصابتنا سنة حصت كل شيء فاقشعرت لها الأرض واغبرت لها السماء وضنت المراضع على أولادها وراحت الإبل حدبا حدابير ما تبض بقطرة وحلقت المال وأنا لفي ليلة صنّبر بعيدة ما بين الطرفين إذ تضاغى الأصبية من الجوع عبد الله وعدي وسفانة فو الله إن وجدنا شيئا نعللهم به فقام الى أحد الصبيان فحمله وقمت الى الصبية فعللتها فو الله إن سكتا الا بعد هدأة من الليل ثم عدنا الى الصبى الآخر فعللناه حتى سكت وما كاد ثم افترشنا قطيفة لنا شامية ذات خمل فاضجعنا الصبيان عليها ونمت أنا وهو في حجرة والصبيان بيننا ثم اقبل عليّ يعللنى لأنام وعرفت ما يريد فتناومت فقال ما لك أنمت فسكت فقال ما أراها إلا قد نامت وما بي نوم فلما أدلهم الليل وتهورت النجوم وهدأت الأصوات وسكنت الرجل إذ جانب البيت قد رفع فقال من هذا؟ فولى حتى قلت إذا قد اسحرنا أو كدنا عاد فقال من هذا؟ قالت جارتك فلانة يا أبا عدي ما وجدت على أحد معولا غيرك أتيتك من عند اصبية يتعاوون عواء الذئاب من الجوع قال أعجليهم على قالت النوار فوثبت فقلت ماذا صنعت أضطجع والله لقد تضاغى أصبيتك فما وجدت ما تعللهم فكيف بهذه وبولدها فقال اسكتي فو الله لأشبعنك ان شاء الله قالت فأقبلت تحمل اثنين وتمشى جنبتيها أربعة كأنها نعامة حولها رئالها فقام الى فرسه فوجأ بحربته في لبته ثم قدح زنده وأورى ناره ثم جاء بمدية فكشط عن جلده ثم دفع المدية الى المرأة ثم قال دونك ثم قال ابعثي صبيانك فبعثتهم ثم قال سوءة أتأكلون شيئا دون أهل الصرم فجعل يطوف فيهم حتى هبوا وأقبلوا عليه والتفع في ثوبه ثم اضطجع ناحية ينظر إلينا والله ما ذاق مزعة وانه لأحوجهم اليه فأصبحنا وما على الأرض منه الأعظم وحافر.

وقال الدارقطنيّ: حدثني القاضي أبو عبد الله المحاملي حدثنا عبد الله بن أبى سعد وحدثنا عثيم بن ثوابة بن حاتم الطائي عن أبيه عن جده قال قالت امرأة حاتم لحاتم يا أبا سفانة اشتهى ان آكل أنا وأنت طعاما وحدنا ليس عليه أحد فأمرها فحولت خيمتها من الجماعة على فرسخ وأمر بالطعام فهيّئ وهي مرخاة ستورها عليه وعليها فلما قارب نضج الطعام كشف عن رأسه ثم قال:

فلا تطبخى قدري وسترك دونها
على اذن ما تطبخين حرام
ولكن بهذاك اليفاع فاوقدى
بجزل إذا أوقدت لا بضرام

قال ثم كشف الستور وقدم الطعام ودعي الناس فأكل وأكلوا فقالت ما أتممت لي ما قلت فأجابها فانى لا تطاوعني نفسي ونفسي أكرم على من أن يثنى على هذا وقد سبق لي السخاء ثم أنشأ يقول:

أمارس نفسي البخل حتى أعزها
واترك نفس الجود ما استثيرها
ولا تشتكينى جارتى غير أنها
إذا غاب عنها بعلها لا أزورها
سيبلغها خيرى ويرجع بعلها
إليها ولم تقصر عليها ستورها
ومن شعر حاتم:
إذا ما بت اشرب فوق رى
لسكر في الشراب فلا رويت
إذا ما بت أختل عرس جاري
ليخفينى الظلام فلا خفيت
أأفضح جارتى وأخون جاري
فلا والله أفعل ما حييت

ومن شعره أيضا:

ما ضر جارا لي أجاوره
أن لا يكون لبابة ستر
أغضى إذا ما جارتى برزت
حتى يوارى جارتى الخدر

ومن شعر حاتم أيضا:

وما من شيمتي شتم ابن عمى
وما أنا مخلف من يرتجينى
وكلمة حاسد من غير جرم
سمعت وقلت مري فانقذينى
وعابوها عليّ فلم تعبنى
ولم يعرق لها يوما جبيني
وذي وجهين يلقاني طليقا
وليس إذا تغيب يأتسينى
ظفرت بعيبه فكففت عنه
محافظة على حسبي وديني

ومن شعره:

سلى البائس المقرور يا أم مالك
إذا ما أتانى بين ناري ومجزرى
أأبسط وجهي إنه أول القرى
وابذل معروفى له دون منكري

وقال أيضا:

وانك ان أعطيت بطنك سؤله
وفرجك نالا منتهى الذم أجمعا

وقال القاضي أبو الفرج المعافى بن زكريا الجريريّ حدثنا الحسين بن القاسم الكوكبي حدثنا أبو العباس المبرد أخبرنى الثوري عن أبى عبيدة. قال لما بلغ حاتم طيِّئ قول المتلمس:

قليل المال تصلحه فيبقى
ولا يبقى الكثير على الفساد
وحفظ المال خير من فناه
وعسف في البلاد بغير زاد

قال ما له قطع الله لسانه حمل الناس على البخل فهلا قال:

فلا الجود يفنى المال قبل فنائه
ولا البخل في مال الشحيح يزيد
فلا تلتمس مالا بعيش مقتر
لكل غد رزق يعود جديد
ألم تر أن المال غاد ورائح
وان الّذي يعطيك غير بعيد

قال القاضي أبو الفرج ولقد أحسن في قوله: وان الّذي يعطيك غير بعيد. ولو كان مسلما لرجى له الخير في معاده وقد قال الله في كتابه: ﴿وَسْئَلُوا اللهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾. وقال تعالى: ﴿وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدّاعِ إِذا دَعانِ﴾. وعن الوضاح بن معبد الطائي قال: وفد حاتم الطائي على النعمان ابن المنذر فأكرمه وأدناه ثم زوده عند انصرافه جملين ذهبا وورقا غير ما أعطاه من طرائف بلده فرحل، فلما أشرف على أهله تلقته أعاريب طيِّئ. فقالت: يا حاتم أتيت من عند الملك وأتينا من عند أهالينا بالفقر فقال: حاتم هلم فخذوا ما بين يدي فتوزعوه فوثبوا الى ما بين يديه من حباء النعمان فاقتسموه. فخرجت الى حاتم طريفة جاريته فقالت له اتّق الله وأبق على نفسك، فما يدع هؤلاء دينارا ولا درهما ولا شاة ولا بعيرا. فأنشأ يقول:

قالت طريفة ما تبقى دراهمنا
وما بنا سرف فيها ولا خرق
إن يفن ما عندنا فالله يرزقنا
ممن سوانا ولسنا نحن نرتزق
ما يألف الدرهم الكاري خرقتنا
الا يمر عليها ثم ينطلق
إنا إذا اجتمعت يوما دراهمنا
ظلت الى سبل المعروف تستبق

وقال أبو بكر بن عياش: قيل لحاتم هل في العرب أجود منك. فقال: كل العرب أجود منى ثم انشأ يحدث. قال: نزلت على غلام من العرب يتيم ذات ليلة وكانت له مائة من الغنم فذبح لي شاة منها وأتاني بها فلما قرب الى دماغها قلت: ما أطيب هذا الدماغ قال فذهب فلم يزل يأتينى منه حتى قلت قد اكتفيت، فلما أصبحت إذا هو قد ذبح المائة شاة وبقي لا شيء له؟ فقيل فما صنعت به فقال: ومتى أبلغ شكره ولو صنعت به كل شيء. قال: على كل حال فقال أعطيته مائة ناقة من خيار ابلى. وقال محمد بن جعفر الخرائطى في كتاب مكارم الأخلاق حدثنا العباس بن الفضل الربعي حدثنا إسحاق بن إبراهيم حدثني حماد الراوية ومشيخة من مشيخة طيِّئ. قالوا: كانت عنترة [٢] بنت عفيف بن عمرو بن امرئ القيس أم حاتم طيِّئ لا تمسك شيئا سخاء وجودا، وكان اخوتها يمنعونها فتأبى وكانت امرأة موسرة فحبسوها في بيت سنة يطعمونها قوتها لعلها تكف عما تصنع. ثم أخرجوها بعد سنة وقد ظنوا أنها قد تركت ذلك الخلق فدفعوا اليها صرمة من مالها وقالوا استمتعى بها، فأتتها امرأة من هوازن وكانت تغشاها فسألتها فقالت: دونك هذه الصرمة فقد والله مسنى من الجوع ما آليت ان لا أمنع سائلا ثم أنشأت تقول:

لعمري لقد ما عضنى الجوع عضة
فآليت ان لا أمنع الدهر جائعا
فقولا لهذا اللائمى اليوم أعفنى
وان أنت لم تفعل فعض الاصابعا
فماذا عساكم ان تقولوا لاختكم
سوى عذلكم أو عذل من كان مانعا
وماذا ترون اليوم إلا طبيعة
فكيف بتركى يا ابن أمي الطبائعا

وقال الهيثم بن عدي عن ملحان بن عركى بن عدي بن حاتم عن أبيه عن جده. قال: شهدت حاتما يكيد بنفسه فقال لي أي بنى إني أعهد من نفسي ثلاث خصال والله ما خاتلت جارة لريبة [؟] قط، ولا أوتمنت على أمانة إلا أديتها، ولا أوتي أحد من قبلي بسوء وقال أبو بكر الخرائطى: حدثنا على بن حرب حدثنا عبد الرحمن بن يحيى العدوي حدثنا هشام بن محمد بن السائب الكلبي عن أبى مسكين - يعنى جعفر بن المحرر بن الوليد - عن المحرر مولى أبى هريرة قال: مر نفر من عبد القيس بقبر حاتم طيِّئ فنزلوا قريبا منه فقام اليه بعضهم يقال له أبو الخيبري فجعل يركض قبره برجله. ويقول: يا أبا جعد أقرنا فقال له بعض أصحابه: ما تخاطب من رمة وقد بليت وأجنهم الليل فناموا فقام صاحب القول فزعا يقول يا قوم عليكم بمطيكم فان حاتما أتانى في النوم وانشدنى شعرا وقد حفظته يقول:

أبا الخيبري وأنت امرؤ
ظلوم العشيرة شتّامها
أتيت بصحبك تبغي القرى
لدى حفرة قد صدت هامها
أتبغي لي الذنب عند المبيت
وحولك طيِّئ وانعامها
وإنا لنشبع أضيافنا
وتأتى المطي فنعتامها

قال وإذا ناقة صاحب القول تكوس عقيرا فنحروها وقاموا يشتوون ويأكلون. وقالوا والله لقد أضافنا حاتم حيا وميتا. قال: وأصبح القوم واردفوا صاحبهم وساروا فإذا رجل ينوه بهم راكبا جملا ويقود آخر. فقال: أيكم أبو الخيبري قال أنا قال إن حاتما أتانى في النوم فأخبرني أنه قرى أصحابك ناقتك وأمرني أن أجملك وهذا بعير فخذه ودفعه اليه.

  1. كذا بالأصول وبلوغ الارب للآلوسى بالحاء المهملة والمنقول عن الأغاني بالخاء المعجمة انتهى.
  2. كذا في الأصل. وفي مكارم الأخلاق للخرائطى: غنية بنت عفيف.